فهرس الكتاب

الصفحة 2176 من 2809

باطنة كما الموت في الحياة باطن ، ودلائل القرآن كثيرة على هذا معهوده .

(فصل)

من استنصح القرآن نصحه ، ومن استرشد الحكمة في العالم أرشدته ، ومن

استشهد الشواهد أعلمته ، وفصل الخطاب في هذا المطلوب إن شاء الله والله

الموفق ، وعليه قد مضى فيما تقدم أن جملة الدنيا نبذة من جملة الآخرة ، وقد

خلق الله الدار الآخرة مصورة على صورة أوجد الدنيا على شبهها ، فالدار الآخرة بما

فيها زوجان والحق المبين فردهما وشفعان ، والله الوتر .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) هذا زوج ومغفرة من الله(وَمَغْفِرَةٌ

مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ)هذا زوج ، وقال: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ)

هؤلاء وهؤلاء (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ(25) .

كذلك دار الدنيا تأسست على موجود فيح جهنم - أعاذنا الله برحمته منها -

المفصول منه العذاب في الدنيا وفي الآخرة ، وعلى موجود فتح الله برحمته ، كذلك

أوجد الدنيا شقاء ونعيمًا ، وصحة وسقمًا ، وعنى وفقرًا ، وسرورًا وحزنًا ، وخيرًا وشرًا

إلى غير ذلك من الأزواج الموجود فيها من هذه الجهة ، كذلك أوجد نباتها

وأحجارها في طعوم ذلك وروائحه وأعراضه ومنافعه ومضاره خبيثه وطيبه ، انفصل

ذلك كله من موجود الفيح والفتح ، لذلك قال - عز من قائل: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ

خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) . أي: تذكرون بذلك الدار الآخرة بما

فيها وخالقها .

ثم قال: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) . أي: من عذابه إلى ثوابه الذين دل عليها الفيح والفتح

(إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) نذير من فوت ثوابه والوقوع في أليم

عفابه (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(51) . وكما

أن جهنم موجودها زوجان: سعير وزمهرير ، كذلك الجنة موجودها زوجان منفصل

هذا من الوجود العلي المعبر عن الصفات العلا .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46) . جنة لمن خاف

سخط ربه واتقى غضبه ، وجنة لمن أرضاه ورضا عنه جمع ذلك للمؤمن ، إذ هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت