ثم ينزل الله الماء إلى الأرض وقد أثبت فيه معنى النار باطنًا ، كما يرسل
الصواعق متى شاء وقد أثبت فيهن إثارة الماء باطنًا لضربه إياها بالماء ضربة واحدة ،
وينبت الله النبات عن ذلك ، ومنه الشجر الأخضر ، فالخضرة من منبعثها الذي هو
الفتح برحمته من آيات الجنة وإثاراتها ، وعلى ذلك ينفع الله بها العباد ، ومعنى النار
هو من منبعثه الموجود عن الفيح ، فموضع الدلالة من هذا الخطاب قوله:(الَّذِي
جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا)إن خضرة الشجر عائدة على معدن
الخضرة ، وكونها نارًا يستوقد فيها وبها فتحرق ، وتعدو عائد على كونها نارًا ، فكونها
نافعة ومتاعًا عائد على معنى الفتح الذي خالطها ، لذلك قال - صلى الله عليه وسلم - عقب لقوله:"لولا"
ذلك ما كان لابن آدم فيها نفع"."
فأرى المعتبرين من عباده - جل ذكره - أنه كما أعاد النار بعد إطفائها أولًا
بالماء إلى النار ؛ يعني: كونها صواعق وبروقًا ورعودًا ، ثم أنزلها في الماء وقد أطفأها
فيه وأبطنها عنده ، فأظهرها من الشجر والحجر والحديد بواسطة الحك أو القدح
بعد ضربها الثانية وإطفائها فيه وبه ، كذلك هو أحيانا من موتنا الأول هذه الحياة ، ثم
يميتنا بعد هذه فنقوم هذه الإماتة في المستقبل مقام إطفائه النار بالماء ثانية ، ثم
يحيينا إن شاء الله ، والعاقبة للتقوى ، جعلنا الله من أهلها ، وبارك لنا في حظنا من
رحمته إنه أقدر القادرين وخير الغافرين .