وكان عامله مخلصًا أخلصه الله لنفسه ، فكان بذلك مخلصًا ، قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّا
أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) .
واعلم وفقنا الله وإياك أنه - أعني: الإخلاص - فرض الفرض ، لا يقوم فرض
ولا نفل إلا به ، ومتى عرى عنه عمل بطل .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى"وكما أن
التوحيد يبطله أدنى شرك ، كذلك الإخلاص يبطله أدنى الرياء .
قال الله - جل ذكره:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من أشرك في عمله غيري"
فهو له كله"ومن أحسن العون على الإخلاص التقوى والمعرفة وطلب اليقين"
ولزوم المراقبة والحياء من الله - جلَّ جلالُه - أن يراك تتزين لغيره بعمل ألهمك إليه وعلمك
إياه وقواك عليه ، دخلْت فيه زعمت تطلب القرب به إليه ، فإياك عدوه إبليس الذي
عاداه فيك فتطيعه فيما يضرك ولا ينفعك ، فإذا بك قد خبت من الظفر بمرغوبك
وخسرت حظك عنده ، واستعن على عبادتك بالكتمان والستر ، وكما تستر سيئاتك
فاستر حسناتك ، فكلما أخفى العامل لله عمله كَان ذلك زائدًا في صدقه .
جاء عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفًا"
وكما أن الشجرة إذا ظهرت عروقها ضعف شربها وأضر بها حرارة الهواء وبرده ،
وتعرضت لذلك للآفات من قطع ويبس وغير ذلك ، ولم تحسن بذلك فروعها ،
وحف ورقها فقلَّ نفعها ، وهي إذا غاصت عروقها واستترت عن أعين الناظرين
غلبت عن الآفات ، وآمنت القطع من أيدي الرائين إليها ، فكثر شربها وجرى ماؤها
فيها ، وتزايدت لذلك فروعها واخضر ورقها وكثر خيرها وطاب ثمرها لجانيها .