ويعرف بنفس تلاوته ؛ إذ كلام الله - جلَّ جلالُه - في كتابه لا يلتبس جملته بجملة كلام البشر ،
ولا البعض منه بالبعض ، ليس ككلام الله كلام ، هذا حقيقته في كل كتاب يتلى على
اللسان الذي أنزل به كائنًا من كان .
قال الله جلَّ ذكره:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى
الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)المعنى إلى آخره .
ذهب الجمهور من أهل التفسير إلى أن معنى الأمنية هنا التلاوة ، وأن معنى
قوله: (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) : ألقى في تلاوته ، واحتجوا على ذلك بشبه لا يقوم
لها مع التحصيل وجه ، ولفظ الأمنية دلالته قائمة على معهوده كما تقدم ، وشواهد
ذلك من أم القرآن وحديث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - كثيرة: يطول لسياق بعضها الكتاب.
وفصل الخطاب إن شاءَ الله تعالى ، وهو الموفق للصواب: إن هذه الأمية
المغيبة هنا ليست في نفس التلاوة إلا بآخره ، بل هي في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم -على أثر
التلقي للوحي بوحيه المتفى في الأنبياء ، كالمريد في الأولياء ، والنبي على
الإطلاق ، كالمراد بالولاية ؛ فقد يكون من حال النبي في نبوته التمني مثل أن تنزل به
النازلة فيود مودودًا ما ، ويرجو من الله الفتح عليه في ذلك لما قد عوده الله جلّ ذكره
من ذلك .
وقد يكون بوصف آخر أعرق في حكم التمني ، وهو أن يسأل الله ويرغب إليه
ويدعو ويتضرع ، فيتعرض بذلك لنفحات الله - عز وجل - ، وقد يكون هذان الوصفان للمعتبر
على قدر منزلته في سبل تطلابه العلم ، فمن ذلك ما قد يكون حاضرًا لمن لم يتقدم
منه إليه تعرض ، ولا قدح له فيه تفكر ، كالإلهام وما قاربه .
ومن ذلك ما يكون باستدعاء التفكر ، ومعالجة التذكار ، وطلب الفتح من الفتاح
العليم جلَّ ذكره ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وده وأمنيته إسراع من أرسل إليه إلى
الإسلام وهدايتهم إلى الإيمان .
(فصل)
وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يتوجه البيت الحرام وهو يومئذٍ يصلي إلى بيت المقدس ،
فقال - صلى الله عليه وسلم - يخاطبه في ذلك: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً