والتعجيب ، كيف لا يكون معجبًا وهو ممسك أبدًا مساك أبدًا يجري إليه التدبير
إعدامًا وإيجادًا أسرع من إدراك الأبصار ؟! على هذا أتقن كل شيء ، كالشمس والقمر
والنجوم والسحاب والرياح ، كل يجري إلى أمره بأمره ، فمنه ما هو ظاهر الجري
باطن السكون ، ومنه ما هو ظاهر السكون باطن الجري (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) . فهذا توصيل آخر ولقد كان يكفي أحدهما
لمن به حياة .
(توصيل آخر) :
قد تقدم من ذكر دوائر الجملة ومجاري الأمر وإحكام ذلك في معاقده
ومعاطفه وفنون الموجودات ظاهرًا وباطنًا لموجدها وعبادتها لبارئها ، وإلى هذا
فاعلم أن العرش العظيم فوق كل شيء سواه ، وفي كل سماء عرش والله - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاؤه فوق العرش مستوٍ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) فهو مع كل شيء بما
هو ، ثم هو مع الواحد بما هو ، ومع الاثنين بما هما ، ومع الجميع بما هم من حيث
هم بمعنى القيام والقيومية ، والإيجاد كله هو معهم أينما كانوا بما هو من حيث هو
هو غير مفارق العرش ولا مباعد للمعية بقرب لا أقرب منه حضورًا ومشاهدة ومعية
بما هو ، وهو بعيد عنهم ببعد لا أبعد منه نزاهة وعلاءً وقدسًا لا يجوز عليه الحلول
في المحال ولا تصرف الزمان ولا حوالة الأحوال ، بل لهم المكان والزمان
والأحوال ، وله العرش مستوى ومكانة وعُلُوًّا ، ينزل الأمر بالروح يدبر الأمر يفصل
الآيات (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا
عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) .
(توصيل آخر) :
وقد تقدم فكما مضى أن كتابه يصعد بالإعلام إلى المشاهدة وإلى مشاهدة هي
له لا توجد إلا له سبحانه وله الحمد ، آية ذلك الكتاب تجده لا تعرف أنت ما فيه
فتنشره وتقرؤه فتعلم منه ما لم تكن قبل علمته ، فبحسب ذلك فاقض على إعلام
كتابه وعلى علمه وكتابه بالمشاهدة العلياء والعلم الأرفع ، فلو لم يكن - جل ذكره