يتحرك ، ولما أجله في مخلوق تحرك بما هو مخلوق وسكن بما هو دائم لا يجوز
عليه التغيير وأولى أسمائه في وجود ذلك المحور تحور المتحركات إليه ، فهي عنه
تنبعث وإليه تحور .
وحقيقة ذلك المعنى: في الجملة ليس بمتحرك ولا يجوز عليه وصف الحركة ،
وقد تخلل الجملة بذلك الأمر وشمله شمولًا واحدًا ، فلذلك كان وجود سجود
الدوائر عودها إليه وبدؤها عنه ، وليست في حال ولا موضع هي أحق بوصف
السكون والحركة منها في غير ذلك الحال والموضع ، فهي لذلك أبدًا ساجدة جارية
عابدة قانتة ، وكذلك حكم كل ما أحاطت به وشملته ، فاقض بذلك على ما تقدم في
صدر الكتاب من وصف الجملة إنما هو أمره وخلقه ، والمخلوق إنما قامه بالأمر
والأمر إنما قيامه به - عز وجل - (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) .
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)
فالتضرع ظاهر في مقابله ، والخفية باطنة في مقابلة وجود الأمر وكذلك قوله:
(وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) باطن لباطن وظاهر لظاهر .
توصيل: قد تقدم من وصف التوصيل ما يشرف بذوي الألباب على حقيقة
الصواب ، وكذلك قد مضى فيما تقدم من جريان صنعه إلى المصنوع إيجادًا وإفناءً
كجريان الماء إلى صببه بل أسرع إسراعًا من ذلك دون توهم نسبهّ ، حتى يعبر عن
ذلك الإمساك .
قال الله - عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا)
وحتى قد تظن العقول أن ظاهر ما تقع عليه الأبصار من استصحاب
دوام يكون لها وبقاء ، وقد أكذب الله ظاهر الظنون بقوله الحق:(وَتَرَى الْجِبَالَ
تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ).
يقول - عز من قائل: على هذا (أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ونصب صنع لما فيه من المدح