وقد نص - عز وجل - على العلة التي من أجلها جعل هذه الحكمة هَاهُنَا بقوله عز
قوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ
الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) . أي: إنهم يبتغون بما يتلونه الفتنة ، فيتعلقون
بأيسر شبهة ويعدونها لنصر ما هم بسبيله من الفتن .
ثم قال عزَّ من قائل: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ)
أي: لعلمهم بابتلاء النبيين والمرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعين - على رفعة درجاتهم وعلو محالهم ، [وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) قلوبهم لعلمهم بأنفسهم
وضعفها يقولون: هذا امتحان الله عباده المعصومين ، فكيف بمن هو دونهم ممن لم
تضمن له العصمة ؟ .
ثم قال جل قوله . (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
تأنيسا للمؤمنين ، ووصفا لسرعة تأتيهم وحسن اتباعهم الحق حيث سلك ، وخلافًا
لما وصف به سواهم بقوله:(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ
بَغْتَةً . . .).
(فصل)
النبي - صلى الله عليه وسلم - بشر ، وسنة الله جلَّ ذكره متى أزال عن محل ما حكمًا ما أن يبقي
عين ذلك المزال ، وإذا أعدم العين أن يبقي الحكم ، وإن كان الله - جلَّ جلالُه - قد تولى
الرسول والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأتم نعمته عليهما فقد أبقى عليهما أنهما على ما هما عليه من
الرفعة والعصمة بشريان ، ولا بد لبشريتهما أن يظهر الله - جلَّ جلالُه - خاصتهما في وقت ما
وحال ما .
قال الله جل من قائل: ( كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) ولا بد أيضًا
للشيطان اللعين الجاري من البشر مجرى الدم أن يقوم مقامه وإن دق ذلك وخفي
حكمه ، وإن كان الرسول والنبي - عليهما السلام - من عباد الله الذين ليس له
عليهم سلطان منفذ عليهم حكمه ، فلا محالة أن يبقى له فيهما بدايات لا تتم له كما
بقي عليهما أنهما بشريان من ذرية آدم - عليه السلام - .
ثم لا بد لصدق وعد اللَّه - عز وجل - بالحفظ لذكره والحراسة لعبده ، وبالإياس لعدوه