يثبتها بما هو الوحي الحق عنده ، ولولا فضل الله عليه وعلى من أرسل إليه لكان
حكمه في ذلك حكم البشر سواه (وَالله عَليم حَكِيم) .
(فصل)
مثال ذلك في الوجود: الرجل يكلم مخاطبه بما هو متفاوضان فيه ، فيخطر
على قلب أحدهما خاطر يعلق به في حال المفاوضة ، فيخرج إلى خطابه على معنى
ما وقر في نفسه وخطر على قلبه وحصل في أمنيته ، ثُمَّ يتدارك ذلك بالرجوع إلى
معنى ما كان عليه قبل بأن يبدل ما عبَّر عنه لسانه بغير ما كان مفيضًا فيه ، بما هو
على معنى المفاوضة ، وذلك شبيه ببدل الغلط ، هذا سفلي وذلك علوي .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ
قُلُوبُهُمْ)أي: الذي لا فهم عنده ، أعلم بهذا أن ذلك في حكمه وقضائه
لحكمة مرصدة ؛ ليتمم كلمته في إضلال من شاء إضلاله .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) .
يقولون: قد كان منه يوم كذا كذا وكذا ، وقد قال يوم كذا: كذا وكذا ، وقد قال
يوم كذا: كذا وكذا ، ثم أبدله بكذا وكذا ، فيجعل ذلك ذريعة إلى تجويز الغلط عليه ،
وخلوه من العصمة في تبليغ الوحي ، وكلا والذي بعثه بالحق إن كل ذلك إلا من
عند الله وبعلمه وتحقيق لنبوته ، فما تحققت كلمة الإخلاص وبلغت النهاية إلا
بمعنى ما قارنها من معنى النفي ، فافهم فهمنا الله وإياك .
وإنما هما سبيلان الهداية والفتنة ، فسبب الهداية علو ظاهر مشهور ، كلما زاحم
الفتن سفلًا دقَّ ورقَّ .
(فصل)
قسم اللَّه الدنيا وكتابه العزيز من هذه الجهة إلى قسمين: ذكر وفتنة .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ
وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى).
وقال - جلَّ جلالُه -: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ا.
و (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) .