قال الله - عز من قائل: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ)
فيما ألقاه إليه عن هذا الوحي من روح به يعرف وحيه ويفهم عنه وعن الملك المراد ،
وهذا قد يقسم الله تعالى منه لمن شاء من عباده ، وبما قسم لهم من ذلك يكون
فهمهم للكتاب والوحي والإيمان وبه يفهم عن ربه ويعرفه ويطيعه ؛ إذ بهذا الروح
يحيي المحل الذي هو حامل حياة الإيمان ، وكل محل لم يحل فيه هذا الروح فهو
ميت الإحياء لا يعقل الهدى ولا يبصره ولا يسمعه ولا يتحرك إليه ، والقرآن نور ولا
يدخل إلا في محل الإيمان ، وهو روح ولا يدخل إلا حيث الروح ، وهذه الحياة
تنشأ من لدن عالم الجماد ، ثم إلى النبات ، ثم إلى الحيوان .
قال الله - عز من قائل: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) (وَلَهُ
مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) . ثم الإنسان ، ثم الولي ، ثم
النبي ، ثُمَّ الملك ، وبه يسمع الولي بالله ، ويتكلم بالله ، ويرى به ، ويبطش به ، ويمشي
به ؛ إذ هو من الله - جل ذكره - العلي الأعلى الحي ، ومنه روح القدس ، ومنه روح
الأمر ؛ وهذا هو الواصل ، ألَّا تسمعه - عز وجل - يقول:(وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ
نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)أي: من الأنبياء والمؤمنين التابعين لهم بإحسان ، ثم
هم درجات عند الله .
ثم قال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تعريض بالحق المخلوق به