فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 2809

خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ . . ) فمفهوم هذا الخطاب أنه من

قدمت يداه خيرًا إيمانًا بالله ورسله ، وطاعة لله ورسله ، وأوفى على ذلك فتمني

الموت خير له ؛ لأنه يصيره إلى ما عبر عنه قوله الحق: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ

مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) . إن الموت للعالم المؤمن بالله جل ذكره الموقن

بالآخرة ميزان عدل على أعماله بسيئها وحسنها.

فلينظر العبد في جميع أفعاله ، فكل عمل لا يندم عليه عند الموت متى فجأه

عليه فليستكثر منه وليلزمه ، وما يخاف أن يندم عليه يومئذٍ ؛ [وليستفرغ] جهده في

النزوع عنه ونبذه .

وميزان ثانٍ: يستعين به على ما هو بسبيله لينظر إلى كل عمل يكره أن يطلع

الناس عليه ظاهرًا كان أو باطنًا فليجتنبه ، فالله أعظم اطلاعًا عليه وأكرم مشاهدة ،

وكل عمل لو اطلع عليه العلماء بالله وصالحوا عباده فأحبوه منك وأحبوك من أجله

فالزمه ، واحذر أن تتظاهر به إلا ما أمرت بإظهاره من ذلك ، فالمؤمنون شهود الله في

الأرض .

وميزان ثالث: متى أردت أن تعلم ما لك عند الله فانظر ما لله جلَّ ذكره عندك ،

فإن كنت راغبًا في التقرب منه وتزلف إليه فهو أسرع إلى ذلك منك ، كذلك إن

رأيت أعمال السعادة والزيادة من الخيرات تتزيد منها ، والشر ينتقص منك ، والآخرة

مقبلة إليك بأعمالها والتأهب لها ، متوجه إليها وجهك وعملك بها ، والدنيا مدبرة في

قلبك ، وهي خلِقة في نفسك وأنت عنها معرض ، فاحمد الله وحده ، وسله الإخلاص

من قلبك ، وجد من عزمك إتمام نعمته عليك وليكن سرورك بما سبق لك عند الله

من ذلك أشد من سرورك بعملك .

وإن كنت ترى أعلام الشقاوة تترادف عليك بأن ترى خيرك ينقص وشرك

يزيد ، والدنيا عليك مقبلة وأنت معظم لها مغتبط بها ، قد ألهتك عن ربك ، وقلبك

يزداد قسوة ، فاعلم أن طريق الخير مغلق عن قلبك ؛ وأبواب الشر مفتوحة إليك ،

تسلك بك في طرقها .

فانظر لنفسك أيها العبد ، وفِرَّ من هذا الحال ، ولا تبق إلا على عمل لا تبالي أن

تموت عليه ويختم لك به ، وليكن حزنك على أنك عند الله - جلَّ جلالُه - بمنزلة من لم يرضه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت