على تصديق الموعد منه بأنه منجزه لمن ضرب الجبل مثلا له .
(فصل)
في سؤال موسى - عليه السلام - الرؤية ربه دليل دال على جوازها المعلوم بأنهم الأئمة
المقتدى بهم ، وهم أعلم البشر بربهم وما يجوز عليه وما يستحيل ، وإنما قال له:
(لَن تَرَانِي) أي: في الدنيا قطعًا ، ويكون المعنى أيضًا: لَن تَرَانِي أنت قبل الموت ،
ومن الجائز الممكن أن يكون موسى - عليه السَّلامُ - قد أعلمه ربه - جلَّ جلالُه - أنه يرى ، وأن من عباده
من يوعد منه للمعهود منه - جلَّ ذكره - أنه يكشف للأنبياء والرسل من العلم به
والمعرفة ما لا يكشفه لسواهم ، ولم يكن موسى يعلم من الموعود بذلك منه - جلَّ
ذكره - فلما قربه نجيًا وسمع الكلام العلي جاشت نفسه شوقًا إلى رؤية من هذا
كلامه فسأله الرؤية ، وكان - صلوات الله وسلامه عليه - لديه وجيهًا وعنده أما
كريمًا ، فأجابه - جلَّ جلالُه - بقوله: (لَن تَرَاني) ومن الجائز الممكن أن يكون معنى ذلك: لَن
تَرَانِي أنت ؛ أي: لست صاحب ذلك مني .
دل على ذلك فحوى قوله: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي
وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) . وأن ظاهر هذا
الخطاب زائدًا إلى ما أفهمه تعزية لموسى عن سؤله ، وتعريض إعلام بأنه قسم لغيره
آمن به موسى - عليه السَّلامُ - ثم جعل له استقرار الجبل آية منه على جواز الرؤية منه له ،
وفي ضمن ذلك أنه لا يطيق الرؤية إلا من طوقه الله إياها وأيده عليها ، ألا تسمع إلى
قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين وصف التنزل إلى سدرة المنتهى قال:"وغشيها من أمر الله"
ما غشى"وأيدها الله بأيده فتدكدك الجبل وصعق موسى - عليه السَّلامُ - ولو كانت الرؤية"
ممتنعة ألبتة لم يجعل استقرار الجبل آية على كونها ، وليس المعهود من الجبل إلا
الاستقرار .
ولما أفاق موسى - عليه السَّلامُ - من صعقته قال: (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ) أي: من أن
أسألك ما ليس لي بقسم (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بمن جعلت له