وقالوا: إنها منسوخة بما أنزله في صدر سورة النور ، ليس بنسخ ولا إزالة الحكم ،
إنما هو بيان للسبيل الذي جعله الله لهن .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"خذوا عني خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلًا ؛ البكر بالبكر"
جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم"فكرر لما كان الحكم في"
محكومين الرجال والنساء والأبكار وغير الأبكار ، وقد جعل الله لهن سبيلًا .
ثم جعل يبين السبيل بما هو الحديث ، ومَن جعل الزانية والزاني في السجن
حتى يتبين الحكم فيهما بالشهادة ، أو حكم قد تعذر إنفاذه ، وأمر لم يتبين وهو
مرتاب فهو مصيب ، ولو كان منسوخًا لم يجز على حال .
وهكذا يتخرج كل ما يدعى عليه النسخ من القرآن بالقرآن أو بالسنة إن كان
بالسنة وذلك أبعد ، إنما يكون ما يدعونه نسخ للقرآن بالسنة ، فهو بيان لحكم القرآن ،
وإن كان المدعي عليه قرآنًا كان منسأ أو بيانًا لمجمل أو خطابًا قد حال بينه وبين
أوله خطاب غيره ، أو مخصص من عموم أو حكم عام لخاص ، أو مستثنى منه ، أو
لمداخلة معنى في معنى .
وأنواع الخطاب كثيرة ، وإعلام نسخ ما تقدم من الكتاب قبله بحكمة بالغة
لمنزل القرآن - جلَّ جلالُه - في ذلك ، وحجة قاهرة من القرآن ، إنما هو مهيمن على غيره من
الكتب ، وهو في نفسه متصادق متعاضد .
وإن كان الكلام في نسخ القرآن بما أنزل على الملكين - عليهما السَّلام -
فتقديره: ما ننسخ من آية مما أنزل عليهما نأت بخير منها ؛ أي: أعظم مثوبة وأبعد
من الفتنة ، وأقرب إلى السلامة أو مثلها بما كان مما أنزل عليهما أكثر إلى الأسماء
ما كان مثل ذلك في القرآن العظيم من ذكر الأسماء الحسنى والصفات العلا ، كقوله
جل قوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) .