فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 2809

الأمر بالشمس والقمر والنجوم على ترتيب مطرد ، ونظام غير منخرم ، كل يجري بما

أوجده موجده - جلَّ جلالُه - إلى أجل مؤجل ، ومقدار من الأمر محصل جريًا وسطًا من غير

انبتات في الطلب المسرع إلى عطب ، يكون عن ذلك الليل والنهار ، والإيلاج

والغشيان ، والصرود والحرور ، والربيع والخريف ، كل مرتب ترتيبًا محكما على أتم

ما فيه المصلحة .

وقوام الأمر وأداء الشهادات من هذه البينات بالعلم الرصين والأمر الحكيم

ينبئ بذلك أن هذه الدنيا نبذة من الآخرة ، وقلل هذه الفانية من كثير من تلك الآجلة

الباقية .

ثم القمر ينتقل في منازله ويحل كل ليلة في محل من محاله إلى ثمانية

وعشرين يومًا من الشهر بعدد المنازل ، ثم يستسر (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ

الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) . فسلطان القمر

بالليل وسلطان الشمس بالنهار شاهدا عدل لخالق الأرض والسماء - جلَّ جلالُه - ربنا وتعالى ،

وإنهما آيتان مبينتان لنور الأنوار ، ومقلب الليل والنهار الحق المبين .

وأما النظر في الأرض والاعتبار بها وما اتصل بها إلى معرفة خالقها ، والإيمان

بجاعلها - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، فإنك إذا نظرت إليها نظر معتبر ، وجدتها جسمًا

متكاثفًا ، متداخلًا ، متطابقًا ، ذا طريق ملونة بيضا وحمرًا وصفرًا وسودًا وغبرًا ،

مشدودة بالجبال الرواسي ، لا تميد ميد السفينة بأهلها ، فهي فراش لمن عليها

يستقرون عليها ، ويتقلبون فيها ، ويمشون في مناكبها ، ويعيشون بما يخرجه الله - عز وجل -

لهم منها على ظهرها من زرع وثمر ولحم وشجر ، فاعجب لذلك ففيه أعظم عجب ،

وتذكر ففيها أبلغ مدكر .

ثم أعتبر منها إلى معرفة خالقه - جلَّ جلالُه - وتعرف من موجوداتها موجودات الآخرة ،

فـ ( خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) وللحق ، وتذكر

بضروب ما حوته من الاختلاف في الألوان والحجارة والنبات والحيوان معرفة

صفاته وأسمائه ، ثم اعتبر منها إلى الدار الآخرة ؛ فتذكر غير ما هنالك بما في هذه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت