الأمر بالشمس والقمر والنجوم على ترتيب مطرد ، ونظام غير منخرم ، كل يجري بما
أوجده موجده - جلَّ جلالُه - إلى أجل مؤجل ، ومقدار من الأمر محصل جريًا وسطًا من غير
انبتات في الطلب المسرع إلى عطب ، يكون عن ذلك الليل والنهار ، والإيلاج
والغشيان ، والصرود والحرور ، والربيع والخريف ، كل مرتب ترتيبًا محكما على أتم
ما فيه المصلحة .
وقوام الأمر وأداء الشهادات من هذه البينات بالعلم الرصين والأمر الحكيم
ينبئ بذلك أن هذه الدنيا نبذة من الآخرة ، وقلل هذه الفانية من كثير من تلك الآجلة
الباقية .
ثم القمر ينتقل في منازله ويحل كل ليلة في محل من محاله إلى ثمانية
وعشرين يومًا من الشهر بعدد المنازل ، ثم يستسر (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ
الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) . فسلطان القمر
بالليل وسلطان الشمس بالنهار شاهدا عدل لخالق الأرض والسماء - جلَّ جلالُه - ربنا وتعالى ،
وإنهما آيتان مبينتان لنور الأنوار ، ومقلب الليل والنهار الحق المبين .
وأما النظر في الأرض والاعتبار بها وما اتصل بها إلى معرفة خالقها ، والإيمان
بجاعلها - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه ، فإنك إذا نظرت إليها نظر معتبر ، وجدتها جسمًا
متكاثفًا ، متداخلًا ، متطابقًا ، ذا طريق ملونة بيضا وحمرًا وصفرًا وسودًا وغبرًا ،
مشدودة بالجبال الرواسي ، لا تميد ميد السفينة بأهلها ، فهي فراش لمن عليها
يستقرون عليها ، ويتقلبون فيها ، ويمشون في مناكبها ، ويعيشون بما يخرجه الله - عز وجل -
لهم منها على ظهرها من زرع وثمر ولحم وشجر ، فاعجب لذلك ففيه أعظم عجب ،
وتذكر ففيها أبلغ مدكر .
ثم أعتبر منها إلى معرفة خالقه - جلَّ جلالُه - وتعرف من موجوداتها موجودات الآخرة ،
فـ ( خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) وللحق ، وتذكر
بضروب ما حوته من الاختلاف في الألوان والحجارة والنبات والحيوان معرفة
صفاته وأسمائه ، ثم اعتبر منها إلى الدار الآخرة ؛ فتذكر غير ما هنالك بما في هذه .