فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 2809

(فصل)

ثُمَّ اعجب كيف لا تنخسف هذه الأرض بمن عليها على عظم جرمها ، وثقل ما

تحمله على ظهرها ، بل هي ساكنة لا تتحرك ، وهادئة لا تتزعزع ، منقادة تحمل ما

حملته ، خانعة [للتسخير] فيما سخرت ، لا جرم أن لها خالقًا خلقها وممسكًا أمسكها ،

قادر ، حكيم ، كريم ، حي ، قيوم ، مدبر ، يعطي الجزيل ويسديه ، ويدفع البلاء ويكفيه

كالسفينة في لج البحر ، لولا ماسكها لضلت ، ولولا سوقها بالريح لركدت

واستقرت ، ولولا دفع الله - جلَّ جلالُه - عنها لغرقت ، فاعجب لذلك ، ثم اعبر عنه إلى ما

وراءه,

ثم انظر في قدرة صانعها - جلَّ جلالُه - وعجيب لطف مؤلفها ، كيف فجَّر عيونها وشقق

أنهارها ، وأطلع ثمارها وأنبت فيها ضروبًا بألوان ملونات ما بين أبيض ناصع وأحمر

قانٍ وأخضر باقل وأصفر فاقع ، ومازج ما بين هذه الرؤوس إلى غيرها من ألوان

بديعة الأصباغ عجيبة الألوان ترود العين منها في منظر أنيق يمتع الطرف ويَسُر

النفس ، وقل من ذا الذي أحياها بعد موتها ، وقلبها من حال همودها بالجدب إلى

الاهتزاز والابتهاج والاخضرار ؟ .

ثم إلى هذه الأزاهير والنواوير ، ثم إلى ثمرات مختلف ألوانها ، كلا والكريم

الجليل الحكيم ما أحياها إلا الحي الدائم الذي لا يموت ، محيي الموتى ومميت

الأحياء ، ولا بعثها على إبداء ما أوجدها إلا باعث أهل الأرض والسماء بعدما

يذيقهم الردى ، ولا قلبها عن حالها في همودها وأقامها على أمرها إلا حي قيوم

فعَّال لما يشاء ، قدير مدبر ، حكيم لطيف .

ألا تراه جلَّ ذكره كيف أخرج بقدرته المعجزة من عيدان مائلة ثمارًا مختلفة

الألوان والطعوم والأرايح والمضار والمنافع ، هي نابتة في قاع واحد ومسقية من ماء

واحد ، ليس في أعواد تلك الشجرة سبب ظاهر من مثالات تلك الثمرات ؟ إن في

ذلك لعبرة للمعتبرين وآيات للمتوسمين ، ودلالات للمتفكرين على أن الآخرة غيب

في شاهد الدنيا ، وأن الحياة غيب في شاهد الموت ، وأن الموت غيب في شاهد

الحياة ، وأن الغيب غيب في شاهد المشاهدات ، فافهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت