(فصل)
ثُمَّ اعجب كيف لا تنخسف هذه الأرض بمن عليها على عظم جرمها ، وثقل ما
تحمله على ظهرها ، بل هي ساكنة لا تتحرك ، وهادئة لا تتزعزع ، منقادة تحمل ما
حملته ، خانعة [للتسخير] فيما سخرت ، لا جرم أن لها خالقًا خلقها وممسكًا أمسكها ،
قادر ، حكيم ، كريم ، حي ، قيوم ، مدبر ، يعطي الجزيل ويسديه ، ويدفع البلاء ويكفيه
كالسفينة في لج البحر ، لولا ماسكها لضلت ، ولولا سوقها بالريح لركدت
واستقرت ، ولولا دفع الله - جلَّ جلالُه - عنها لغرقت ، فاعجب لذلك ، ثم اعبر عنه إلى ما
وراءه,
ثم انظر في قدرة صانعها - جلَّ جلالُه - وعجيب لطف مؤلفها ، كيف فجَّر عيونها وشقق
أنهارها ، وأطلع ثمارها وأنبت فيها ضروبًا بألوان ملونات ما بين أبيض ناصع وأحمر
قانٍ وأخضر باقل وأصفر فاقع ، ومازج ما بين هذه الرؤوس إلى غيرها من ألوان
بديعة الأصباغ عجيبة الألوان ترود العين منها في منظر أنيق يمتع الطرف ويَسُر
النفس ، وقل من ذا الذي أحياها بعد موتها ، وقلبها من حال همودها بالجدب إلى
الاهتزاز والابتهاج والاخضرار ؟ .
ثم إلى هذه الأزاهير والنواوير ، ثم إلى ثمرات مختلف ألوانها ، كلا والكريم
الجليل الحكيم ما أحياها إلا الحي الدائم الذي لا يموت ، محيي الموتى ومميت
الأحياء ، ولا بعثها على إبداء ما أوجدها إلا باعث أهل الأرض والسماء بعدما
يذيقهم الردى ، ولا قلبها عن حالها في همودها وأقامها على أمرها إلا حي قيوم
فعَّال لما يشاء ، قدير مدبر ، حكيم لطيف .
ألا تراه جلَّ ذكره كيف أخرج بقدرته المعجزة من عيدان مائلة ثمارًا مختلفة
الألوان والطعوم والأرايح والمضار والمنافع ، هي نابتة في قاع واحد ومسقية من ماء
واحد ، ليس في أعواد تلك الشجرة سبب ظاهر من مثالات تلك الثمرات ؟ إن في
ذلك لعبرة للمعتبرين وآيات للمتوسمين ، ودلالات للمتفكرين على أن الآخرة غيب
في شاهد الدنيا ، وأن الحياة غيب في شاهد الموت ، وأن الموت غيب في شاهد
الحياة ، وأن الغيب غيب في شاهد المشاهدات ، فافهم .