منا لا محالة ، فما أقسم عليه هو الحق لا مرية فيه ولا شك (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
الْخَالِقِينَ (14) . ما أحسن ما أوجد ؛ وما أتقن ما أحكم وخلق ؛ اللهم
فهمنا عنك ، ثم استعملنا بالذي يرضيك عنا ، وصلى الله على محمد وآله وسلم .
(فصل)
قد تقدم في رسم اسم الملك عز جلاله وتعالى علاؤه وشأنه من شرح الأسماء
إشارة من التطريق إلى النظر إلى السماوات ، وهذا الاسم على أي شيء يقع ، وأن
ظاهر خطاب الشرع ورد بأنها السماوات العلا ، ثم اسم سماوات على سُمُوت
أفلاك جاء بذلك بآخره ثم إلى الأرض ، وأنها خلقت يوم خلقها صانعها - جلَّ جلالُه - على
شكل كرة ، فسطحها - جلَّ جلالُه - ومدها وفرشها ، ثم نصب قنن الجال على وزن أوليتها قبل
تمهيدها ، فجاء طلوع النيرات الشمس والقمر والنجوم على وزن ذلك مسخرات
بإذن الله جلَّ ذكره .
وكان امتداد الظل وقبضه على وزن ذلك ، وكان ذلك فلكي الليل والنهار ،
وكذلك تقدم فيه أيضًا نبذة يسيرة من الكلام في فلك الرياح ، وفلك الغيض ، وفلك
القيض والمد والجزر ، وقد تقدم أيضًا الإعلام بما هي الأفلاك المعلومة ، وأنها من
لدن فلك المياه إلى فلك البروج وكواكب ، ثم الفلك الأعظم ، وأن بتدواره تدور
الدوائر كلها .
قال الله جل من قائل: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فاعجب لهذا أن
يكون تدوار الدوائر كلها على افتراق سبل الأمر بهن وفيهن يتحرك بحركة واحدة ،
يصعد إلى كل الكل ونهاية النهايات ، وذلك معلوم في سريان الأغذية في الأجسام .
وإنما ينطبع في محالها إلى حال ما حكت فيه ، كذلك ما نحن بسبيل تبيانه ، كل
الأفلاك يحل الأمر فيهن في محاله ، فيكون منه بما سبق به الأمر ، وأذنت فيه
المشيئة ، وأحاط به علم العلي الكبير ، والظاهر أن حركتها بحركته ، وحكمها بحكمه ،
ثم يتنوع بحركات أفلاكها على سبل مجاريها ، ويكون حكم كل متحرك في كل
متحرك فيه على الأمر المراد به من موضعه المدرر فيه والمدور به ،(كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى
شَاكِلَتِهِ).