فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 2809

اتصال حكم الشيء في طريق العبرة إلى وجود الملائكة والجن ، وغير ذلك من

الأمور الغائبات .

وكذلك الاستدلال بتقضي الآجال ، وحدوث الأحكام عندها على الساعة ، وما

يكون إخبارًا عنها وفيها ، ثم أدرج القرآن العزيز غير ما هي من وراء ذلك ، وكشف

عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهي أحوال البرزخ ، ولا يكون أحوالا إلا المحول عليه بحدها ،

وأحدها على سبيل الجزاء نعيمًا وعذابًا وإكرامًا وإهانة ، ولا يكون ذلك مؤثرا لا

يحس ، وعلم ووجد لما يجده من ذلك ، ولا يكون إلا بحياة موجودة .

آية ذلك: النَّوم والرؤيا واليقظة ، وما عسى أن يبعث حاله اليقظان حالة يقظته ،

وما يجده من التفاوت بين الحالتين ، ولو وقف الإيمان على الاعتبار بمجرد

المشاهدة لعدمت صفة الإيمان بالغيب .

ألا ترى أن النائم شاهده مضطجعًا خافتًا في موضعه لا يبصر ولا يسمع ولا

ينتقل ولا يطعم ولا يشرب ، ولا هو في حال يسر معها ولا يحزن ويألم ويلذ ، وهو

في غيب حاله تلك ؛ وربما اجتمعت له هذه الأحوال كلها على حال مخالفة لما

نشاهده نحن منه .

وكذلك الميت حال موته مشاهدتنا نحن له أنه ميت في حال البلى والهمود ،

وتقطع الأعضاء وامتزاجها بالتراب ، وكونها طعمًا لما شاء الله ، وهو عند أهل الآخرة

على خلاف ذلك ، ينعم أو يعذب أو يحزن أو يسر ، ويقوم ويقعد ويجادل عن نفسه ؛

لأنا نحن لا نرى هذه الأحوال من الأموات ، فهذه حياة النوم ، وإنما يرى بحياة

كحياة الملائكة وأهل الآخرة .

ومن تلك الحياة أُعطي الأنبياء والمرسلين - صلوات الله عليهم أجمعين -

والصديقين خصوصًا ، أرادهم الله جلَّ ذكره بها فرأوا ذلك إيمانًا ومكاشفة وربما

مشاهدة ، إنما هما وصفان يتعاقبان على الموصوف فيظهر هذا عند خفاء هذا ،

ويخفى هذا عند ظهور هذا ، وتلك دار وحياة وصفات يدرك فيها وبها الوصفان معًا ،

فافهم .

وقد أخبر بذلك الصادق الحق - جلَّ جلالُه - الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة ،

وأوصاف الحياة وكل شيء عنده بمقدار ، فيعطي من شاء ما يشاء تفضلًا ، ويمنع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت