فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 2809

في الآخرة ذلك ؛ لأن باقي الجملة مقارن ما في الجزء ، وإن تفاوت ما بينها لعظمه

فبعد على بادي الرأي ، فخفي على تميز ، وتعذرت معرفة مقارنته ، كذلك ما في

المتشابه سر إلا له في المحكم أصل يدل عليه ونظير يشير إليه وإن خفي موضعه

واستترت إشارته ، وتفصيل هذه الجمل يطول وشرحها يكثر ، ومن بلغ هذا القدر لم

يعسر عليه - إن شاء الله - استعراض ذلك إيمانًا ثم تعلمًا ، ليجعل الحاضر مرآته ،

والشاهد والغائب موضع عبرته ، والمقصود بالبيان مطلوبه .

وربما خفي المطلوب في الحاضر وظهرت مثالاته في الغائب بظهور أكثر

المعاني فيما هنالك وخفائها هنا ؛ لأجل دقيقها ، فعلى هذا فليجعل الغائب أمامه

وشاهده وموضع عبرته ؛ لتصل له معرفة الأشباه والأمثال شاهدًا وغائبًا ، وخفية مواقعه

الإسهاب والإطالة أن يضطر تسلق سبل الاعتبار حال حقائقها إلى عبارة يتوهم أنها

من الخطل ، ويظن بالمعنى المعبر عنه من أجل ذلك ما ليس به لما قد يغلب على ظن

السامع من رأيٍ كاذب ، لا سيما غير الفطن المجرب ، فلذلك منع من إثباته في

كتاب ، وذم مستقصى به زمام ، وبالله نستعين على ما يرضيه وإياه نستجير .

(فصل)

إن قال قائل: الإيمان بالغيب معهود ، كشهادتنا أن الله حق ، وأن الملائكة حق ،

والنبيين حق ، والساعة حق ، ونحو هذا من الشهادة ، فإن ذلك موجود حاضر وإن لم

يُرَ ، وهو الآن معدوم وسيكون في المستقبل ، وأما ما ذكرته فنوع آخر تنكره

المشاهدة ، ولا يكاد العقول تستقر على حال الإقرار به .

فالجواب: إن ذلك كذلك ، لكن ما ذكرته من الغيب فهو أولى بحال الإيمان

بالغيب ، وهو المنصوص عليه من مطالبة المكلفين بالإيمان ، وكما أن الغيب ظاهر

بالإضافة إليه كذلك له باطن ، وإن عقلًا لا يقضي بأن للفعل فاعلًا وللصنعة صانعًا ،

وأن خالق الأرض والسماوات وفاعل النور والظلمات أحق أن يتبع ، ويُبتغَى

مرضاته ، وتطاع أوامره لعقل غير صحح .

وكذلك التفريق بين العادة وخوفها ، والمعهود من القدر والمعجزات ، وكذلك

الاستدلال بقوى الحيوان والنبات ، وأفاعيل ما يحدث في الأرض والسماوات على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت