فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 2809

ويستبد بها دونه ، فكانت الأرض تهلك ومن فيها ، وكل شيء مما تقدم ذكره يهلك

على سبيله ، لأنه جل وعلا قد أفقر الموجودات علوها وسفلها بعضها إلى بعض ،

وأحوج بعضها إلى بعض ، وهو الغني الحميد .

فوضح بهذا زائد إلى ما تقدم من البرهان الواضح أن خالق الأرض وما فيها

من نشء ونات وحيوان ، وما اتصل بذلك كله من شمس وقمر ونجوم وسحاب

ورياح وأزمنة وفتح رحمة وغير ذلك ما غاب وبطن ، وما تقدم وجوده أو تأخر وما

كان دليلًا على شيء أو مدلولًا عليه فيما علا من ذلك كله وسفل مما دق أو جل ،

كل معتبر على ما تقدم من الاعتبار ، مالك ذلك كله ومدبره وماسكه ، الحق الذي

هو الله الذي لا إله إلا هو الأحد الصمد ، رب الدنيا والآخرة الذي (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ

يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).

ومن تمام العبرة ، وكما ليس في العالم شيء يقوم بنفسه فيستغني عن غيره ،

فكذلك ليس في الإنسان عضو يقوم بنفسه ويستغني عن غيره من الأعضاء ، وذلك

أن الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه لما خلق الإنسان مضطر إلى الغذاء الذي لا تقوم

حياته إلا به ، وضمن للعالم القيام بمرافقه ومنافعه من الغذاء وغيره ، فكذلك هيَّأ

للإنسان آلات وقوى مسخرة لاقتضاء ذلك لذلك الغذاء عند الحاجة إليه ، فإذا

اقتضى ذلك اضطر إلى التماسه في مظانه ، واحتاج فيه إلى نفسه وإلى غيره ، فإذا

وجده لم يسلم إليه على الكفاية له إلى المؤنة .

بل هو مضطر فيه إلى تمون ما لا يصلح مأكولًا إلا به ، فإذا حصل له ذلك هيأ

له الخالق جل وعلا النفس على استعمال جارحتي بطشه الذي يتناوله بتقلبه ، ثم

ينقله بإحداهما إلى فيه ، فإذا حصل له هنالك توكلت به الآلات المهيئة لطحنه

وترقيقه ، فإذا لطف دفعته الآلات الموكلة بدفعه إلى المريء ، فإذا حصل فيه دفعه

المريء إلى المعدة المهيأة لقبوله ، فإذا حصل فيها انضمت وانغلق الذي في أسفلها

الذي يقال له: البواب سمي بذلك ، لانفتاحه مرة وانغلاقه أخرى ، فلم يخرج منه

شيء حتى يتم نضجه وهضمه بالآلات والقوى المهيأة لذلك .

فإذا نضج وصار شبيهًا بالعُصارة التي تهيأ نفوذها في المسالك انفتح المنفذ ،

فنفذ ما فيه إلى المعاء المتصل بأسفل المعدة ، ثم ينفذ منه إلى سائر الأمعاء المستديرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت