فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 2809

(فصل)

وإذا عكست هذا الترتيب بالنظر وعطفت آخره على أوله وجدت الآخر منه

مفتقرًا محتاجًا إلى الأول ، كما افتقر الأول ليشتمل الافتقار جميعه .

بيان ذلك: إن أصناف العالم والمراد بالعالم جميع ما خلق الله - جلَّ جلالُه - مسخر

للقيام برزق الإنسان ومنافعه على ما وضح قبل هذا ، فإذا عكسنا هذا [الترتيب] آخره

على أوله كما لنا من الاعتبار وجدنا عروق الإنسان الصغار الدقاق التي تأخذ عن

التي فوقها محتاجة إلى التي تحتها ؛ لتأخذ عنها ما ألزمت إرساله إليها .

ثم كذلك تحتاج العروق التي تحتها ليأخذ عنها ما تسلمه إليها لتسلمه إلى ما

يليها ، محتاجة إلى الكبد لتأخذه عنها ، كما يحتاج الكبد إليها لتورده عليها ، ثم

كذلك القول في الكبد والمعدة والمريء والفم ، والأداة التي هي المنهضة إليها

المهيئة لها .

كما أن أصناف العالم المسخرة للقيام برزقه في أن الأسفل من ذلك محتاج

إلى الذي فوقه ليأخذ عنه ، كما احتاج ما فوقه إلى ما تحته لتسلمه إليه ، والذي تحت

هذا محتاج إليه ليأخذه عنه ماله ، ليأخذه كاحتياج الذي فوقه ليسلم إليه ما أمر به ،

وجعل تسليم هكذا ، فالأرض مسخرة لضمه وإنباته ، والسماء يسقيه والماء ليغذوه ،

والريح لتلقحه وتعديل رطوبته ، والشمس لتقويته وتصليبه .

وكذلك القول في سائر أصناف العالم في تعلق بعضها ببعض ، وتعلق ذلك

بالحاجة إلى الإنسان الذي ضمنت القيام برزقه كالقول في هذا سواء ، فتفهم هذا

تجده كذلك إن شاء الله .

قال الله عز من قائل: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ . . . ) .

(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ

لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) . أي: ما سفل آيات على ما علا ، وما ظهر شاهد لما

بطن ، وبالفكر الصائب يستخرج الرأي (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت