فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 2809

(فصل)

ثم اعتبر حاجة الإنسان بعضه إلى بعض في غير الغذاء أيضًا تجد الجسم

محتاجًا بعضه إلى بعض .

بيان ذلك: القلب محتاج إلى البدن ؛ لأنه كالحامل له ، به يبقى وبه يقوم ،

والبدن يحتاج إلى القلب ؛ لأنه كالآلة له ، به تظهر أفعاله وبه تصح .

ثم الجسم محتاج كله إلى كله ، كل واحد من أعضاء المنافع محتاج مفتقرًا إلى

الآلات التي لها الأفعال العجيبة ، كالعصب الذي يحركه ، والمفاصل والأصابع التي

يتهيأ له بها القبض والبسط والتقلب والنهوض والقيام والقعود ، وكالمعدة والكبد

والطحال والمرارة والمثانة والرئة ، وسائر أعضاء المنافع وآلاتها .

ثم جميع أعضاء الآلات آلات المنافع محتاجة إلى الجسم ، والجسم محتاج

إليها لما ذكرناه ، محتاج بعضها إلى بعض لاشتراكها في قيام بعضها ببعض ، فقد

تبين والحمد لله رب العالمين بهذا حاجة الإنسان بعضه إلى بعض في غير أسباب

الغذاء ، وهو في الانعكاس وانعطاف بعضه على بعض في الاحتياج والافتقار كالذي

فوقه ، ثم الجسم محتاج إلى الأرض ، والسماء والعالم وسائر أصنافه محتاجة إلى

الإنسان على ما تقدم ، بعض هذه الأصناف محتاجة بعضها إلى بعض وهذا قد تقدم

ذكره .

وقد تبين بما ذكرنا ووضح بما استدللنا أن العالم كله آية بعضها لبعض ، ليس

منه شيء يقوم بنفسه ، بل حاجة الافتقار تعمه ، وسلمه من مقدار الصوابة والبعوضة

والخردلة والذرة فما دونها ، وما فوقها إلى مبلغ حدوده علوًّا وسفلًا ، وأقصى نهاياته

من ظاهره وباطنه في كل زمان وعلى كل حال .

وفي ذلك أبين بيان أن كل ما لا يقوم بنفسه وهو مضطر إلى غير ذلك كيف

يقدر على شيء من ذات نفسه ، بل وجوده العلم الضروري إلى أن لهذا العالم الذي

شمل جميعه الافتقار وعمه الاحتياج وضغطه القهر صانعًا لا شبهه ، ولا يفتقر إلى

شيء منه ، وهو الغني الحميد رب العالمين .

وقد كان فيما تقدم من النظر في جملة المخلوقات ، وإنها كرجل قائم يصلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت