على الخطايا ، فإن هذا الشأن منهم أظهر ، والحجة ألزم إذا علمهم أحصر ، وإقرارهم
أظهر وأقرب ، ولأجل حقيقة هذا الاقتدار منه لم يكلف أَحدا إلا وسعه .
وقد جعل في وسعه التوبة مما كان والاعتراف بالذنب ، ومن تكيف ما لا
يطاق أن يقدر هو - جلَّ جلالُه - على عبده بعمل فلا يكون ذلك العمل من ذلك العبد ، وإنما
موضع التكليف وصدق الاستجابة وصيانة الذوات عن مواطن الهلكات ، وكف
النفوس عن شهواتها ، والأخذ منها لها ، واستشعار ذلك حتى يمحو الله خطاياه
وأعماله المقدرة عليه بالسوء ؛ فيبدلها حسنات بأن يوفقه لمحابه والعمل بمرضاته ،
ثم كذلك حتى يكون له ذلك ديدنًا وعادة .
فإنه - عز وجل - يمحو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وقد أحصى كل هذا علمه السابق ، ولذلك قال
وقوله الحق: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) فمتى وقع لم يكلفه ألا يكون ما قد
كان ، إنما يكلف - جلَّ جلالُه - صدق التوبة وحقيقة الندم والعزم من ذاته على ترك العود ،
فمتى وقع فكذلك أيضًا حتى يكون الشيطان هو الحسير .
أتبع ذلك ما هو في معنى ما تقدم ذكره من التحفظ والتحرز من مواطن
الهلكة ، واستشعار عزيمة الصبر قوله - جلَّ جلالُه -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ
حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) .
وانتظم أيضًا في الدعاء لهم من حال كفرهم ؛ إذ هو كبير الإثم قوله - جلَّ جلالُه -:( يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)المعنى كله إلى ذكر الأنداد لمتخذيها كما
تقدم ، والتحرز من الشيطان الذي أخرج آدم - عليه السلام - من الجنة بعد أن كان ، وما أصاب