الحمد - زعموا عنه وكذبوا عليه حال غيبتهم ، ولما واجههم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه
وشأنه بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والكتاب ، وأكذب زعمهم وأبطل ظنهم لجوا في باطلهم
واستمروا على ضلالهم (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(16) .
(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ(66) .
(عبرة)
الضلال كله من أصل واحد ، وإنما هو شبه يشبه بها على من هو منه
ضلال ، ألا ترى أنه من عصى الله من الموحدين المستجيبين لله والرسول والكتاب
منقطع الحجة ، مقرًّا بالخلاف لربه ، معترفا بالضلال عن رشده ؛ لينفذ الله جل ذكره
أمره المقدر وكلماته الصادقة ، فيفرز - جلَّ جلالُه - الدواب واستاقها غائبة عن مرادها ربها ،
نسأل الله تعالى العفو والعافية والتوبة والعصمة المحيطة ، وأن يأخذنا بمعئ من
معانيه إليه ، إنه لا حول ولا قوة لعباده إلا به .
ثم جعل - جلَّ جلالُه - يصف اجتماع علمهم واستقرار الحقيقة عندهم ، وشدة ندمهم
على سوء اختيارهم لأحوالهم تلك عند تبرؤ الأنداد منهم ، ورجوع كل حق إلى
حقيقته يوم القيامة عند نزول الموت بهم ، يحقق علمهم ب (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) . هناك تحل بهم الندامة على ترك الاستجابة
وإهمال الأنفس ، والركون إلى غير الوثيقة في الأمر ، فتحيق بهم الحسرات ، وما ذاك
بنافعهم .
فانتظم قوله جل قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا)
بما تقدم ذكره من معنى وإن بَعُد .
كما انتظم إلى ما جاوره من الخطاب قوله عز قوله:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ . . . )إلى آخر الآية ؛ لما فيه من التعجيب (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
لأولي الألباب ، أي: أعجبوا لهاء ولاء على عظم ما أريناهم من الآيات وأظهرنا لهم
من البينات على ثبوت الوحدانية .
ومن الشواهد على تحقيق ذلك بما في أنفسهم وفي سواهم: فاتخذوا من
دون الله أندادًا ، وهم يعلمون أنه لا ند له ولا شريك له في خلق السماوات والأرض
ولا في خلق أنفسهم ، فما أعجب شأن هؤلاء ؟ وما أعظم [افتراءهم] ؟ .
يحذر - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه المؤمنين من الركون إلى المعاصي والإقدام