كالشهيد إنما وجد حياته تلك الحياة الأخرى .
ألا ترى العالم المؤمن الموقن لما أعطي من تلك الحياة حظًّا حصل له من
العلم والمعرفة لما نريد ثباته ما أسهر ليله وأنحل جسمه ، وتجشم صعود العقاب ،
وحال بينه وبين الأهل والوطن والأولاد ، وربما قضى عليه وحده بالقتل ، ومن أنزل
حياته هذه بالإضافة إلى تلك منزلة ما وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراح قلبه .
وصدق قوله - صلى الله عليه وسلم -:"الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا".
ولهذه العلة يتنبه بهذه الحقيقة ، ولا تيقظنا لها ولا شعرنا بخفيها ، ذلك منا
بموت مخامر خامر صفاتنا في حياتنا هذه كالحياة التي نروم العبارة عنها والتبيان لها
المخامرة لذلك الموت المشاهد من الشهيد فيما هنالك ، وربما علم أحدنا بها
وشعر لها لكنه في وجودها كالمسحور والنائم المأخوذ عن الشيء يجد الطعم عن
المأكولات بخلاف المشاهدة .
وهذا موجود في العالم الضارب في اليقين بحظ يجد موجودات للآخرة
وصدق الوعد والوعيد حقّا ، ويلزم قلبه ويعجز جوارحه ، وتكع نفسه عن التقدم إلى
الأخذ بالأوثق ، فهو يتلاوم ويبكي على نفسه ، ويشكو إلى ربه وإخوانه ونحو ذلك ،
لأنه لم يبلغ الحياة التي نعم بها غيره ، وأعطى الجهد من نفسه ، وجد الجد كله في
الحق المعتقد في هذا إن كل ما يجده الطاعم هذه المطعومات والمشروبات
والأحوال التي تقدم ذكرها ماء بارذا أو مطعمًا لذيذًا أو شفاء أو سلوًا عن الأخذ منه
بالجزم لما خلق الله له بعضا من الإدراك ، وأخذ عن وجود حقيقه ما هو حقيقة ، وإن
كنا نجده في حقنا في اليقظة الموت الموجود فينا .
وإنما يصفو أحدنا منها في الدار الآخرة ، وأبقيت علينا هَاهُنَا كل ما تصيبه من
الكتاب ، وأول ما يجد حقائق هذه المطاعم والمشارب وغير ذلك من الحقائق حال
الموت ، وبعده في دار البرزخ ، وهو موجود عن اسمه المصور - جلَّ جلالُه - وتعالى يصور ما
يشاء كيف يشاء في ذوق الذائق ورؤية الرائي وعلم العالم ، كما يرى ذلك في هذه