ودعاؤك إليه التضرع وإظهار الحاجات والفاقة ، كما قالوا: الدعاء زينة
للآلات وحلية للأدوات .
وإظهار الحاجات إلى رب العالمين والعباد في الدعاء على ثلاث ضروب بعد
اجتماعهم في أصله:
-فدعاء بالأقوال: وهو دعاء العامي .
-ودعاء بالأفعال: وهو دعاء الزاهد .
-ودعاء بالأحوال: وهو دعاء العارف ، وهذه المنزلة مشتركة بين الدعاء
والاستدعاء ، فالدعاء ما تقدم ذكره ، وهو النداء والتضرع وإظهار الفاقة ، والدعاء
بالأحوال والأفعال هو الاستدعاء ؛ لأنه انتظار بحالة الاضطرار ، ولا بد للداعي من
استدعاء في دعائه ، وهو إظهار الاضطرار والافتقار ، ولا بد من استعمال معنى
السؤال ، ليجمع له ذلك .
ولما كانت حقيقة الدعاء وفائدته إظهار الفاقة والفقر إلى الله - جلَّ جلالُه - ، فإنما يفتقر
العبد إلى الله - جلَّ جلالُه - عند رؤية الحقيقة وضرورة الحاجة إليه ، فيكون علمه حينئذٍ
بموضع الاستدعاء نفس العبودية ، ويكون الدعاء على هذا استدعاء بالحال .
ومثل هذا قول الله جل قوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)
فإنما خفف - جلَّ جلالُه - عنهم ، والاضطرار الذي كان حالًا علم الله ذلك منهم ،
وهو الذي ضيعه الغافلون قبلهم فحاق بهم المكروه .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ . . . ) إلى قوله جلَّ قوله: (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) .
وقوله جلَّ قوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) .
وقوله: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) معناه: بالإيمان ، والعمل بطاعتي (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
أي: يصلحوا لأن أختصهم وأتولاهم بولايتي ، فألحقهم بمن توليت
شأنهم وعصتمهم ووليت أمرهم ، فيكونون يسمعون بي ، ويتضرعون بي ، وينطقون
بي ، ويمشون بي ، وأجعلهم في مواطن محادثتي وتكليمي ، وهناك إن دعوني
أجبتهم ، وإن سألوني أعطيهم ، وإن استنصروني نصرتهم .