المقدور الحاضر .
كذلك فعل زكريا - عليه السلام - لما نادته الملائكة عليهم السلام(وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي
الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى)بغلام اسمه يحيى ، جعل يخاطب
ربه - جلَّ جلالُه - يقول: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ)
فلزم موضع السنة ومجرى العادة ، ولم يصعد لتلك حتى صعد به .
وكذلك فعلت مريم - عليها السلام - لما بُشرت بعيسى - عليه السلام - قالت:(أَنَّى
يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ).
وذكر في كتاب"النبوات": إن اللَّه جل ذكره لما بشر إبراهيم بإسحاق ، ومن
وراء إسحاق يعقوب قال:"رب ليت إسماعيل يكبر بين يديك"هذا إعظام منه
للنعمة ، وتحقير للنفس أن يستأهل أحدهم بذلك من الله العلي العظيم -
(فصل)
قوله: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) ومن أين يحيي ؟ كما قال
زكريا - عليه السلام -: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) .
وكذلك قول مريم عليها السلام: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) .
قال الله جل قوله: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) إماتة لا حياة فيها ، فمن هنالك
قال لما سأله: (كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) فأعلمه - جلَّ جلالُه - أنه لبث مائة عام
ميتًا ، ولم يكن الله جلَّ ذكره سلط عليه البلاء ، فلم يتغير لذلك جسمه ، فبينما هو
يتعجب لبعد الأمر وطول المكث ، مع زوال الذكر وسلامه من البلاء زاده الله عجبًا ،
فقال: (انْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) أي: وقد كان عهدك به إسراع الفساد
إليه والتغير ، وها هو لم يبلَ ولم يتغير كالمعهود .
قال الله جلَّ قَولُهُ: (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ) فقد كان من المعهود أن يكون بقاؤه
أطول من بفء الطعام والشراب ، فها هو قد محقه البلى واستوعبه الفناء .