يقول الله - جلَّ جلالُه - وهو أعلم: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي: أملهن إليك بالإحسان مع
التدريب والتعلم والاستجابة للمراد كما فعلت أنا بالذوات ؛ أصرتهن إليَّ ،
وأخرجتهن في قبضتي ، وسقت إليها الإحسان ، وأخذت عليها الميثاق والعهد ، فأنا
إذا أرسلتها انبعثت ، وإذا دعوتها أقبلت مسرعة ، وبالمشاهدة تعلم أنت استجابة هذه
الطوائر لك بعد التدريب على المراد والتعلم .
(فصل)
وأختصاص الذكر بأربعة طوائر هو - والله أعلم - مثلًا للمضروب به مثلًا ،
وهو الخارج عن الجسم حين الموت يزمها خامسها ، وهو المثال الخالف للجسم
بتوابعه بعد الموت الباطن المعروف بالعبد المخلوق من باطن ما خلق منه الجسم ،
وأربعته: الروح والنفس والعقل والهواء ، كالجسم الحامل لهذا الباطن خلقه الله جلَّ
ذكره من أربعة طوائر خامسها: الجسم ، هو زامها وحاملها ، وهو الدم المشابه في
طبعه الهواء ، كالروح المشتق من الهواء ، والبلغم المشابه للماء ، والسوداء المشابهة
الأرض ، كالنفس المشتقة من الأرض ، والصفراء المشابهة فيما طبعت عليه النار
كالهواء المشتق من النار .
وقال الله جلَّ ذكره: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) فلا بد لهذا
العبد أن يذوق الموت ، وموته مفارقة للجسد ، وانفصال أربعته عنه كما موت
الجسم مفارقة هذا الباطن إياه ، ثم انفصال أربعته عنه ، ثُمَّ يحيي الله - جلَّ جلالُه - هذا
العبد الباطن ويجمع أربعته ويركبها في مثال الجسم .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ)
يومئذٍ يدعوها الله - جلَّ جلالُه - فتجيبه من أصولها ومواطن اختزانه إياها إلى مراده - عز وجل - من
عمارة مثال الجسم الذي هو ليس يعبر له بوجه ما لا يقول فيه: إنه هو ، وقد تقدم
من تحقيق وجوده ذلك ما فيه كفاية لمن لقن .
وهذا لكل عبد مكلف ، غير أنهم على درجات في تحقيق هذه الحياة وتفاضلها
إلى يوم القيامة ، تتأدى طوائر الأجسام التي كان موته بفراقها وفراق هذا الباطن ،
فتأتيه سعيًا إلى مراده منها ، وبها من أصولها في العالم من هواء وماء ونار بإيصار