ذلك كله إلى الهواء على أصوله التي انتزعها منها ، ومن تراب قد أنشأ أربعته فيما لا
يعلمه إلا الله ، يدعوها - عز وجل - فتجيبه بإذنه ، ويظنون مع هذا أن لم يلبثوا إلا قليلًا ، وقد
برز منها من الأرض وبلائها من الأجواء في أنواع الموجودات ، وصرفها بين أنواع
الناشئتين على كتابه السابق إلزام لذلك كله من علمه ، كما قال جلَّ قوله: (وَنُنْشِئَكُمْ
فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) .
قال رسول الله:"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم"إلى قوله:"وأخذ"
أهل اليمين بيمينه ، ثم قال: يا أهل اليمين ، ألست بربكم ؟ قالوا: بلى"وفي ضمن"
الخطاب:"وأنتم عبيدي ، ثم أخذ أهل اليسار بيده الأخرى . . .".
وقال أيضًا:"إن الله خلق الخلق ، وقضى القضية ، وأخذ ميثاق النبيين ، وعرشه"
على الماء"وذكر فيه أخذ أهل اليمين بيمينه ، وأخذ أهل النار بيده الأخرى ،"
وذكر التقدير كما تقدم .
وفي أخرى:"إنه لما خلق آدم مسح بيده اليمنى على ظهره واستخرج منه"
ذرية ، وقال: ألست بربكم ؟ . . ."بمعنى ما تقدم ."
قال الله عز من قائل:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا).
ولما فرغ من تقريرهم أماتهم ، ثم بثهم في خزائن السماوات والأرض حتى
أخرج كلًا على نوبته وحينه في الوجود ، ولما خلقهم هذه الخلقة التي عمروا بها
الدنيا في أعمارهم إلى آجالهم المكتوبة وأرزاقهم المحتومة فكانت تلك موتة أولى
المعينة بقوله تعالى: (أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) هذه الحياة التي هي
الدنيا ، فإذا هو أماتهم الموتة الثانية التي هي الآتية بعد هذه الحياة قبض الأنفس ،
والنفس هي الجامعة للطوائر الأربعة المذكورة ، وأجلها ذلك العبد المقرر الذي قد
مات أولًا فعمر فيه مدة حال البرزخ ، ومن العجب المعجب أنه ليس يغير هذا بوجه