ما هو الذي أقر وأشهد فيما هنالك على نفسه .
يقول الله جل من قائل:(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا
بِرَبِّكُمْ)يعني: الآن (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) يعني: يوم التقرير الأول(إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ)بما أنبأتكم به .
فهو - عز وجل - يخاطب هؤلاء بما خاطبهم به يومئذٍ ، ويطالبهم بذلك الإقرار ، وهو
الحق هو هو ، غير أنه قد تعدى بقرار الجسم وعمل بعمله وعاش برزقه وفي أجله ،
وهو العبد المقرر أولًا ، فرد بما هو يومئذٍ روح بما هو الآن قد تغذى وعمل وارتزق .
لذلك يقول الله: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) التي لم تستعص ولا
خترت العهد وأدت الأمانة (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) أي: بما
كلفتِ من إيمان وعمل به ، مرضية من ربها الأجل ذلك (فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)
أي: الذي أقروا ووفوا بعهده (وَادْخُلِي جَنَّتِي) في دار
البرزخ .
ثم في حال الحياة الأخرى نجمع أيضًا أطوار الجسم أربعة فيؤمر أيضًا ذلك
العبد فيدخل في الجسم ، فيكون حياته كما قبل حيى به في الدار الدنيا ، سبحانه وله
الحمد ، يعلم السر في السماوات والأرض وهو العزيز الذي لا يمتنع عليه شيء ،
ولا يفوته شيء ، أحكم كل شيء خلقه ببطن وظهر ، ثم يظهر ما كان أبطنه ويبطن ما
كان أظهره ، ويفرق ويجمع ؛ بدأ خلق الإنسان من طين إلى أن سوَّاه ونفخ فيه من
روحه ، فهو الإنسان أولا وهو الإنسان آخرًا ، وهو المبطن وهو المظهر في اليوم
الآخر (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) يعبر عنه تارة بالروح
بوصف ما ، وبالنفس تارة لأمر ما ، وبالنَّسمة ثالثًا لأمر ما ، ويجمع ذلك كلمة العبد ،
وهو اسمه الأكبر .
(فصل)
ولهذه الأربعة الباطنة التي هي مرتبطة بالباطن الجامع لهن كالأربعة المرتبطة
بالجسم الظاهر ، غير أنه يخالف هذه بجنسه علاج الطب من صفات موجودات ما
وجد الجسم وتوابعه منه بإذن اللَّه جلَّ ذكره ، وفي هذا جاء قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: