من علامات محبة المحب لربه جلَّ وعلا: أن يؤثر رضا ربه على رضاه وطاعته
على طاعة نفسه ، وأن يقطع نفسه وهواه وأهله وولده والناس أجمعين في طلب
محبة ربه ورضاه ، وهذا معنى ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"والذي نفسي بيده لا يجد"
أحدكم حلاوة الإيمان حتى يكون اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ [مِمَّا] سِوَاهُمَا"."
وفي أخرى:"حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه وولده وأهله وماله"
والناس أجمعين"."
وهذه درجة الإيثار ، ولا يكون هذا إلا إذا دخل الحب سويداء القلب وهي حبة
القلب ، وحينئذٍ يحب الحب كله ما لم يكن الإيثار ، فالحب منه في الفؤاد ، وهو
تجويف أول خارج القلب .
ومن علامات محبة الله جلَّ ذكره عبده: أن يتولى سياسة أموره وحركات
جوارحه وأعماله ، فيجد أخلاقه على السماحة وجوارحه على الموافقة يصرح به عن
هواه ، ويزجره عن ركوب هلكته على التهدد والزجر ، فإن شاء إتمام نعمته عليه بلغه
درجة التعويض كما تقدم .
عشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بقوله:"إذا أحب عبدًا جعل له واعظًا من نفسه"
فإذا رفعه إلى درجة التعويض لم يكن لهذا العبد همةً إلا في خدمته ، ولا رغبة إلا
في الأنس به ، يشوقهم إليه والشوق إليه يحدوهم ، عزمهم وثيق والفتور منهم بعيد ،
لا يميلون إلى غرور ولا يترخصون في تأويل ، ولأن من صفاتهم الموافقة لزومهم
الخوف ، لعلمهم أن رضاه في أن يخاف .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175) ،(وَاتَّقُونِ يَا أُولِي
الْأَلْبَابِ)وهذا كلام على ضرب من التجوز فيما سبيله التحقيق في