من اصطفائه إياها أن جعلها تحمل بروح منه وكلمة منه ورحمة منه ،
وآية من آياته المسيح عيسى - صلوات الله عليه - على المعنى الذي قصه - جلَّ جلالُه - في
كتابه المنزل من قوله جل قوله:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا
شَرْقِيًّا . . . . )إلى قوله جلَّ قوله: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا) .
وهذه هي الكلمة التي ألقاها - جلَّ وتعالى - إلى مريم ، والله أعلم باصطفائها
بأن أغناها عن البعولة ، وفرغ قلبها من ذلك لعبادته ، وقطع - جلَّ جلالُه - عنها الخواطر
المشتغلات ، وأقام لها أمره العلا وروحه القدس في حملها بخير البشر مقام البعل ،
فسميت: العذراء والبتول ، وجعلها - جلَّ جلالُه - وابنها آية للعالمين ، على أن الله قادر على أن
يخلق من غير ذكر ، وأنه يصرف مقدوراته على مشيئته ، وعلى أنه من أعلام الساعة ،
وذكر لها ورحمة منه أن ينصر به دينه القويم .
(فصل)
سماه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بالمسيح ؛ لوصف صدقٍ هو حامله ، وحقيقته
حق موجودة فيه المسيح التشبيه ، والمسحة: قليل الشيء .
قال الشَّاعر:
وعَضّ زَمانٍ يا ابنَ مَروانَ لَم يدَع ... مِنَ المالِ إِلّا مُسحَةً أَو مُجَلَّفُ
يقول: لم يدع من المال إلا القليل منه ، أو هو مجلف ، أي: مقطع لا يشبه
ماضيه بباقيه، المجلف المقطع المغير صورته .
قيل للشاة المقطوعة الرأس واليدين والرجلين: جلف .
وكذلك المسحة: الخلف الشبه .
قال الشَّاعر:
على وجه ليلى مسحة من حلاوة
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" [الآن] يطلع عليكم من وراء هذه التثنية رجل عليه مسحة"