وقال جلَّ قوله: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ) فتخصيص
تسميته عبده هذا بكلمة منه من الله ؛ لما فيه من آيات دالات عليه - عز وجل - ، ولله المثل
الأعلى ، ولما فيه من رحمة لعباده المؤمنين ، فأحيا به دين الإسلام بعد موته .
(فصل)
سماه الله - جلَّ جلالُه - بأنه روح منه ، قد تقدم أن معنى إضافته إليه اختصاصه إياه خلقًا
وأمرًا وولاية ، ورضا به وكل ما هو حي ، فمَلَك الأرحام - عليه السَّلام - ينفخ فيه الروح ، أو ما هو
معناه وصفات الله جلَّ ذكره أعرب عنها وجود الموجودات ، وشهدت له بها الشواهد
كالقدرة والعلم والإرادة والحياة والسمع والبصر وغير ذلك ، والروح فقد نطق بها
القرآن العزيز بإيجاده إياه دلالة على الروح العلي جل ذكره وتعالى علاؤه وشأنه .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا) .
وقال جل قوله: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)
عبَّر عن هذا كثير من الشواهد .
وفي الآثار:"أنه أكبر خلق الله - عز وجل -".
وقوله - عز وجل -: ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) ظاهره: إنه رسول إليها من هذا
الخلق الرفع قدره ، ذكر أنه جبريل - عليه السلام - فالله أعلم ، آما بما هو الحق من عند الله ،
وعلى ما هو عليه من رفعة القدر ، فإنه أمة من الأمم يفضل بعضه بعضا ، فهذا
المرسل إلى مريم - عليها السلام - مما هو خاص رفع أضافه إلى نفسه - عز وجل - ، وكذلك الروح
المنفوخ به في آدم - عليه السَّلام - ، وإن النافخ في مريم - عليها السلام - قد نصَّ عليه أنه
رسول من عند الله ، فقد قال: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) .
وقال جلَّ قوله في آدم - عليه السلام -: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)
فقد جمعهما معاني ذكر الخلقة ، مع كون الخطاب بأنه وصف عن نفخ الله - جلَّ جلالُه - كما
هو بائن عن الله جلَّ ذكره ، فهو غير له ، وما كان غيرًا فهو خلق له وعبد .
وفي قوله جل قوله: ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) شفاء لمن لقن
عن حقيقة الخطاب ، وإنما تواصل المخلوقون باجتباء الله إياهم وقربهم منه ومشيئته