الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) .
والإسراء على ذلك أيضًا ، وقرينه النوم ، والنائم يبسط حقيقة على ما شاء أن
يريه ، ويشهده إياه وهو مقيم في موضعه الذي نام فيه .
والإسراء الأعلى: هو أن يلحق ثقيله بخفيفه ويُسار به ، فلا تعجزه مسافة بعدت
ولا صعود ، وإن علا المرتقى ولا سفل ، وإن عرب الهواء ، وربما كان من
عجائب الله - جلَّ جلالُه - في ذلك ألا يفقد في مكانه ، ولا يعدم شخصه في مستقره ، وهو في
ذلك في الوجود كالملك - عليه السلام - إنه ليكون في مصافه الذي جعله الله فيه ، وينزل إلى
الأرض بالرسالة من عند ربه - عز وجل - ، أو ما يكون من أمره .
وأدنى الإسراء: أن يكون رؤيا رفعة ، وكالنوم المستثقل جدًّا .
والموت: هو أن يفصل بين الخفيف فيطير عنه ، والثقيل منه يثبت في المكان .
والذي قتلته اليهود وصلبته وما شُبِّه به عليهم ، فظنوا أنه هو وليس به ، هذا خبر
من الله - جلَّ جلالُه - صدق وقول حق (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا(122) .
وما ذكر أن عيسى - عليه السَّلام - وافق بعض أصحابه على أن يجعل عليه شَبهه فيُقتل
مكانه ، فخبر الله أعلم بحقيقته ، ولو كان المقتول [عدوًّا] لهم ، فكان يكون لهم بذلك
بعض الشفاء وفوز بعض الظفر ، وكان يعدم - صلى الله عليه - من أصحابه الذي
أوقع شبهه عليه .
وقد جاء في الكتاب الذي يذكر أنه الإنجيل أنه قال لأصحابه - صلوات الله
وسلامه عليه قبل أن يرفع:"الآن أذهب إلى الذي بعثني ، وليس فيكم من يسألني"
حين أذهب"وهذا يدل من كتابهم أن ذهابه عن أصحابه بغير علم منهم ، ولأجل"
ذلك لم يسأله أحد منهم حيث يذهب ، إذ لا يعلم حين ذهابه .
قال - عليه السَّلام -:"وسينفعكم ذهابي ، لأني إن لم أذهب لا يأتيكم الفارقليط ، وإن"
ذهبت سأبعثه إليكم وسأجيء في الثالث"فظن النصارى أن قوله هذا:"سأجيء في
اليوم الثالث"من يوم قتله الذي زعموه ، فحكوا على ذلك حكاية إنهم وجدوا القبر"
الذي دفنوه فيه خاليًا ، فذكرت لهم عجوز أنها رأته حين قام من قبره ، وكلمها في
هذيان لهم كثر ، وإنما ذلك على ما جاء به دانيال - عليه السلام - ، وقد أراه الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علوه
وشأنه آياتًا وأمورًا هائلة مستغلقة .