ماءٍ ولبن وعسل وخمر ، وأن فيها من كلِّ الثمرات .
هذه هي صورة الدنيا غير أنها لا تطيب للمؤمن إلا رضوان الله - جلَّ جلالُه - ومغفرته ،
فضمن ذلك المثل فهو خير من جهةٍ ما ، وتقريب الأفهام من أخرى ، ولما كان ما
هنا من موجود أنهار ماء ولبن وعسل وخمر ورضوان وجنات ونعيم أصل من
موجود الجنة ، كان مثلًا ومثالًا ؛ إذ الدار الآخرة لهذه الدار الدنيا بالإضافة إلى
وجودها ، كالقافية والأولى والمثال وما يعبر عنه به .
وعلى القول بالتحقيق فإن هذه الدار التي هي حجاب وحاجز ومثال وآل للدار
الآخرة ، وهذه الحياة حجاب وحاجز دون الحياة الوسطى التي هي أول لتلك الحياة
الآخرة ، ومثال لها وآل ، ولولا هذه لكانت تلك ، وإنما الدار الوسطى - أعني:
البرزخ - محله ينزل فيها الأولى حتى بعدم الآخرة .
وعلى هذا فهي - أعني: الوسطى - أكبر من هذه جدًا وأوسع وأحق حقيقة ،
وهي صغرى بالإضافة إلى الدار الآخرة رجع الكلام ، ولأجل هذه المقاربة أشكل
على بعضهم ، فقال: المَثل: الخبر ، والمِثل: الشبه ، والمثال أيضًا: المماثلة ، والمثال:
الفراش ، وجمعه: مُثُل .
وفي الحديث من وصف الجنة:"يفرش لأحدهم سبعين مثالًا ، على كل مثال"
حوراء تفوق الشمس حسنًا )"."
والتمثيل: التشبيه ، والتثميل أيضًا: المثلة ، والمثلة: العقوبة .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ) والمثول: القيام ،
ومنه:"من أحب أن يمثل له الرجال صفوفًا"يعني: قيامًا .
ومنه:"تماثل فلان من مرضه"إذا أفاق ، والماثل: اللاطي في الأرض .
ومنه: قول الشَّاعر:
ومنها مستبين وماثل
والأماثل: الأشابه ، وفي الحديث:"أشد الناس بلاءً: الأمثل فالأمثل"