فهرس الكتاب

الصفحة 637 من 2809

بإجابة المضطر وإعانة اللهفان بخلوص البواطن عندما تعرض من تلك الأحوال من

الشوائب ، وتوجيهها بحقيقة التوجه إلى الله جل ذكره فبحسب ذلك يكون الذم على

خروجه عن المقصد الذي خلق له وسُدد نحوه إلى سواه بمحظور لم يتجه له ، ولم

يأذن له فيه بل نهاه عنه وأوعده عليه .

ولأنه خلق - جلَّ جلالُه - عباده ؛ ليثبت بعضهم من بعض وقدر ذلك ، ورضيه منهم أباح

ذلك لهم ، لكن بكلمة الله وسنة رسوله ، وبميثاق يأخذه بعضهم على بعض في تعيين

الصداق ، أو بملك يمين أقام - جلَّ جلالُه - ذلك فيما بينهم في هذه مقام الزكاة للمزكيات ،

وتسميته عند المأكولات والتطهير للصلوات ، وتقديم النيات بالإخلاص حين توجه

المعاملات(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ

يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ).

ولما هو - أعني: الزنى - عليه من القبح والظلم والبعد عن رضاه ، وعن

الصفات الحسنى أغلظ عليه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه في العقوبة التي لا يشبهها

عقوبة المشرك الذي هو الزاني الأكبر ، كما يفعل الرجل الحليم يؤدب ابنه على ما

لا يؤدب عليه عبده ، من الأخذ بمحاسن الأخلاق والأخذ به إلى نوافل البر وأنواع

الصالحات ، ويشد عليه الأدب ، ويبالغ في تحذيره ، وتهديده في ذلك تشديدا لعباده ،

وإعلام منه بكبير من إثم وفاحشة .

أوسعنا في هذا القول تبيينًا للموعظة ؛ لعظمها من خطبها ، وقربها من خطرة

النفوس ومجالس الأنس ، فإنه قد ينافس النفوس مع يسير الغفلة بما فيها ، أباح الله

لها من يسببها ، وللزوم الفتنة وعموم البلوى بها ، وتزيين العدو إياها وأنها أشهى

مصائده ، والنفوس أسرع شيء إلى إجابته وإلى هذا ، فإن الله هو الصبور الحليم - جلَّ جلالُه -

على تصديق ذلك ، وإيجاب الحد فيه تبيين يعسر ، أو بإقرار من المتورط وهو

غريب الوجود ، وأوعد مع ذلك بإشارات من الشرع ، وإيماء بما تعطيه المشاهدة منه

بالستر والأمر بمعاجلة التوبة ، وإن ذلك أولًا من إبذال الوجه بالإقرار والاستهداف

بالنفس ، وأن الفرار إلى الله جلَّ ذكره ومقابلة ذلك السوء بصالح العمل [أولى] بذلك ،

وهو أعلم .

قال الله جلَّ ذكره: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ(10)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت