بإجابة المضطر وإعانة اللهفان بخلوص البواطن عندما تعرض من تلك الأحوال من
الشوائب ، وتوجيهها بحقيقة التوجه إلى الله جل ذكره فبحسب ذلك يكون الذم على
خروجه عن المقصد الذي خلق له وسُدد نحوه إلى سواه بمحظور لم يتجه له ، ولم
يأذن له فيه بل نهاه عنه وأوعده عليه .
ولأنه خلق - جلَّ جلالُه - عباده ؛ ليثبت بعضهم من بعض وقدر ذلك ، ورضيه منهم أباح
ذلك لهم ، لكن بكلمة الله وسنة رسوله ، وبميثاق يأخذه بعضهم على بعض في تعيين
الصداق ، أو بملك يمين أقام - جلَّ جلالُه - ذلك فيما بينهم في هذه مقام الزكاة للمزكيات ،
وتسميته عند المأكولات والتطهير للصلوات ، وتقديم النيات بالإخلاص حين توجه
المعاملات(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ
يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ).
ولما هو - أعني: الزنى - عليه من القبح والظلم والبعد عن رضاه ، وعن
الصفات الحسنى أغلظ عليه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه في العقوبة التي لا يشبهها
عقوبة المشرك الذي هو الزاني الأكبر ، كما يفعل الرجل الحليم يؤدب ابنه على ما
لا يؤدب عليه عبده ، من الأخذ بمحاسن الأخلاق والأخذ به إلى نوافل البر وأنواع
الصالحات ، ويشد عليه الأدب ، ويبالغ في تحذيره ، وتهديده في ذلك تشديدا لعباده ،
وإعلام منه بكبير من إثم وفاحشة .
أوسعنا في هذا القول تبيينًا للموعظة ؛ لعظمها من خطبها ، وقربها من خطرة
النفوس ومجالس الأنس ، فإنه قد ينافس النفوس مع يسير الغفلة بما فيها ، أباح الله
لها من يسببها ، وللزوم الفتنة وعموم البلوى بها ، وتزيين العدو إياها وأنها أشهى
مصائده ، والنفوس أسرع شيء إلى إجابته وإلى هذا ، فإن الله هو الصبور الحليم - جلَّ جلالُه -
على تصديق ذلك ، وإيجاب الحد فيه تبيين يعسر ، أو بإقرار من المتورط وهو
غريب الوجود ، وأوعد مع ذلك بإشارات من الشرع ، وإيماء بما تعطيه المشاهدة منه
بالستر والأمر بمعاجلة التوبة ، وإن ذلك أولًا من إبذال الوجه بالإقرار والاستهداف
بالنفس ، وأن الفرار إلى الله جلَّ ذكره ومقابلة ذلك السوء بصالح العمل [أولى] بذلك ،
وهو أعلم .
قال الله جلَّ ذكره: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ(10)