كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ
هُمُ الضَّالُّونَ (90) . فهم لا يرشدون إلى التوبة ، وما عرض بها لهم لم
يتب الله عليهم من تاب من حيث هو ، ولم يتب الله عليه لم يتم له توبة ؛ إذ الله - جلَّ جلالُه -
هو الأول في كل شيء والآخر والظاهر فيه والباطن ، فيضلون على التوبة ، فلذلك
قال جل قوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) لأن الله لم يتب عليهم ؛ فلم يحصل لهم توبة
ولا تحققت .
ألا ترى أن نواصي العباد هو الآخذ بها ، فمن العباد: من يموت على بعد من
التوبة لا يراها ولا يسمع بها ولا يهم بها .
ومنهم: من تمر به على قرب منها فيبصرها عن جنب ، فربما اشتهاها ويحال
بينه وبينها .
ومنهم: من يمر عليها فربما أحبها وأخذ منها ، فمرَّ به وأُسلي عنها فضلت
التوبة عنه ، فهذا وجه توبة من يتوب فلا تتقبل توبته .
وقد جاء الوعد الصادق عنه - عز وجل - أن التوبة مقبولة لكن عمن شاء ، ألا تسمعه
يقول جل قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) .
(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) . فأخبر نصًّا صريحًا أنه يقبل توبة عباده الخصوص ،
أضافهم إلى نفسه لحبهم وأثرتهم عنده ، وبقي الآخرون على حكم الوقف ، فبين
الحكم فيهم وفي هذه الآيات من آل عمران .
(فصل)
ومرجوع قوله جل قوله:"إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ"من مشيئتي بهم ، وتقدم من حكمي
فيهم كقوله جلَّ قوله:"هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، وهؤلاء للنار"
وبحمل أهل النار يعملون"."