جعل الله جل ذكره كلمة"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"كما تقدم من ذكر ذلك في
بداية كتابه العزيز وأوائل سوره ، وعند بدايات كتبنا ، وكذلك عند بدايات أمورنا
كلها ، كالأكل والشرب والنكاح والزكاة والحركة والسكون والنوم والقيام منه إلى
غير ذلك ، وكذلك كلمة"الحمد لله رَبِّ العَالَمِينَ"جعلها في أواخر أعمالنا كلها .
وفي الخبر: إن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - قال لأضيافه الكرام المكرمين - صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين - لما قرب إليهم القرى عجلًا حنيذًا: كلوه بحقه ، قالوا له: وما حقه ؟
قال: سموا الله إذا بدأتم ، واحمدوه إذا فرغتم . قالوا له: لهذا اتخذك الله خليلًا .
وقال - جلَّ جلالُه -: (ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) .
وقال في بدء التنزيل ومفتتح الوحي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ
الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) وقد تقدم الكلام في ذلك على ما سنأتي به في
موضعه إن شاء الله .
ثم ما من أمرٍ أوجب أن يسمى في بدايته أو ندب إليه إلا جعل كلمة"الْحَمْدُ"
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"في نهايته ."
جاء في الصحيح المأثور أن جبريل ورسول الله - صلوات الله وسلامه عليهما
-كانا قاعدين معًا إذ سمع جبريل نقيضًا في السماء ، فنظر فقال: هذا باب من
السماء فتح اليوم لم يفتح قط . فنزل منه ملك ، قال: وهذا ملك نزل اليوم إلى
الأرض لم ينزل إليها قط . فلما نزل قال: يا محمد ، أبشر بقرآن أوتيته من كنز تحت
العرش لم يُعطه نبي قبلك: سورة"أم القرآن"وخواتم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف
منه إلا أوتيته .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله - عز وجل - لما استوى على العرش كتب على نفسه كتابًا"
فيه: إن رحمتي سبقت غضبي"."