معناه: إن الإنسان كما تقدم مؤهل للتقريب والإنس إن هو أطاع وائتمر بما أُمِر
به ، وإن هو لم يفقه ما أريد به من ذلك ، ولم يرفع به رأسًا ولي ما تولى ، وشغل
بشغل لا ينفك وأمل لا يدرك وبحرص لا ينال ، ولأنه لم يكذب ولا يصد عن
السبيل بقي من أصله ، وأنه متى ذكر تذكر ؛ ومتى نبِّه تنبه ، وإن أعقب ذلك النسيان
وخلفت الغفلة انتباهه ، فإذا توفي وُزِنت الغفلة بانتباهه وذكره بنسيانه ، فقرب على
قدر ذلك ولا يظلمون فتيلًا ، ثم هو إن أمر ولم يأتمر وزجر ، فلم يزدجر مُنِع السمع
الباطن والبصر والبيان ، وكان من طمس الوجوه على خطر .
قال الله - جلَّ جلالُه - بعد قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18) . وهذا
وصف لهم حال عقوبة إعراضهم بعد البيان ، والمعرض بعد البيان قلما يرجع
لقول الله جل من قائل: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ . . . ) .
ثم قال جلَّ قوله: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) هذا وصف منه ؛
لإبقائه عليهم الصفات الظاهرة ، وإلى بعد الموت .
ثم قال جل قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)
يعني: الظاهرة ، وهو المسخ التام والفقد المجحف ، كما طمس - جلَّ جلالُه - أنوار الوجوه
فردَّها على أدبارها .
(عبرة)
نبه الله - جلَّ ثناؤه - الذين آمنوا ، وذكرهم بأهل الكتاب توقيرًا لهم وإكرامًا
لهم ، يؤدبهم بغيرهم ويريهم عقوباته في سواهم ، فليعتبر أهل الأبصار ، وليزدجر
أولو البص لْر .
ألا تسمعه - عز وجل - يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا
مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا . . . )نحن أهل
الكتاب ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة"
وحذو النعل بالنعل"وأنه (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17) ، ومن نسى"
آيات ربه أورده المعيشة الضنك ، وأعمى قلبه وأصم سمعه وأبكم لسانه عن فهم