كتابه عقوبةً لإعراضه عن تفهم كتابه ، ولقد خشينا أن قد لحقنا ما يواعدهم به من
طمس الوجوه ، وردها على أدبارها آيات ذلك في الوجود جمة ، ودلائله كثيرة .
ألا تسمع إلى قول الله - جلَّ جلالُه - فيهم عقوبة لإعراضهم عن كتاب ربهم:(وَإِذْ تَأَذَّنَ
رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)ثم قال - جل قوله -
معرضًا: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ) أي: أنذر أمتك بأسي (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)
فبشرهم عني .
كما قال - جلَّ جلالُه -: (فَبَشِّرْ عِبَادِ(17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. . . . )
أتراه جل ذكره إنما يقص علينا أنبأءهم ، ويجتلب ذكر خطاياهم
ويعلمنا معايبهم تفكهًا بذلك كله وجلاله ، والحق الذي فطر به أرضه وسماه ، وأنزل
به كتابه إن هو إلا إكرام من كريم لمن أطاع الله واهتدى ، وإنذار من حليم حكيم
لمن تابى وآثر على الجد الهوينا وضيع الحزم ، وركن إلى الدنيا إيثارًا لها ، وأخذ
عزيز قدير لمن أبى واعتدى على الآخرة ، وأتبع النفس الهوى .
صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ركبنا سننهم وقفونا أثرهم عميت منا القلوب ،
وصمت وبكمت ، فأصغينا إلى الدنيا إيثارًا لها على الآخرة أظهرنا الإيمان على
ألسنتنا ، والكفر على جميع أعمالنا ، وما أظهرناه من عمل صالح ، وأبديناه من مكارم
أخلاق وحسن فعال وجميل سيرة وطلب علم ، فإنما ذلك منا على قدر حصول
العاجلة به وما نكابده ، ففي سبيل ذلك لا على سبيل خشية الله - جلَّ جلالُه - ، ولا مقصود
بوجهه إليه .
عادات استمررنا عليها وضراوات ألفناها ، فذهب لذلك الفهم وعمى الناظر
وعشيت البصائر ، وقست القلوب وتراكمت الذنوب ، وتحقق فينا قوله - جل قوله -
فيهم: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) فهذا طمس
موجود فينا لا ننكره ، طمس الوجوه بردِّها على أدبارها جهلًا وعمى .
يقول عزَّ من قائل: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(27)
نعوذ بالله من أخذه وأليم بطشه ، ونسأله لنا معشر الأمة توبة صادقة ،
وإنابة خالصة ورجعة قريبة إنه على ذلك قدير .
قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) خاصة هذا الخطاب هنا من