وقوله جل قوله: (وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) .
قال وقوله الحق: (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) فأنبأك - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه ، إن عقلت معنى الخطاب ، ووقفت على سر المراد أنه هو
الحق المبين لهذا الحق المخلوق به السماوات والأرض ، فعلى هذا إن هذا الحق
المذكور ينشأ به التحقيق والتبيين في الدار الآخرة ، إن الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه
يكون المرئي يومئذٍ على الدوام دون أفول ، كما نرى الشمس والقمر .
ولما كانت الشمس والقمر قد جعل - جلَّ جلالُه - بأمره لهما من المنافع ما تقدم الكلام
على بعضه في موجودات هذه الدار ، وليس فيما هنالك شمس ولا قمر ولا نجوم
ولا كواكب ، بل هو - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه يومئذ المرئي ، والحق الذي نشأ إليه
حق ما هنا ، فموجودات ما هنالك ، وأمر ما هنالك موجود كله عن الحق المبين لا
بوسائطه ما هاهنا ، بل على القرب والكشف كما نوَّع الاستظلال بظلال ما خلفه ،
وميز ما بينه وبين البروز عنه برحمة منه ، هي دفاع ضر هذا بنفع هذا ، وكفاية ما
جعل في هذا ، أو نفعه لما يقابله من هذا من نفع أو ضر بلطفٍ لهم ببره ، ويعلمهم
بحسن تدبيره ليريهم من آياته ما يذيقهم من بأسه بهذا ، وبما يدفع عنهم برحمته ،
فهذه على موجودات دار القرار .
وكل ذلك من رحمته وكريم بره ، كذلك فاعلم ينوعّ - جلَّ جلالُه - بنعيمه إياهم رضوانه
وإكرامه ، كيف لا وهو القائل جلَّ قوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) . أما مثلهم في دار البرزخ حال موتهم ، فهو
أن السماوات والأرض ، وما بين ذلك موجود كله وهم - أعني: الأشقياء والسعداء
-هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ، كما عبَّر عنه قوله الحق:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا. . . ).
وقال في السعداء: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) فنفَسا جهنم موجودان
اليوم حال الموت صير الله الكفار إلى حقيقتهما ، وبخاصة إلى النار كما تقدم ، وأما
السعداء فهم كما قال الله وقوله الصدق: في جنات وفي ظل ظليل ، لا يصيبهم من
نفَسي جهنم الموجودين في دار الدنيا في حال البرزخ حال موتهم الظاهر ، بل هم
في ظل ظليل اليوم ، كما تقدم القول في هذا المعنى ، فكانوا في الدنيا يكنهم بالأبنية