تفاوتهم في علمه فيما هنا ، فاعلمه .
كان من حكمة العليم الحكيم عز جلاله لما أن قصر أبصار عباده عن رؤيته
بجلال شأنه عن إدراك في هذه الدار بوهْم أو تصور في نفس ، أو لحاق تفكر وضع
لهم إدراكًا في الوصول إلى وحدانيته في نزيه ألوهيته ، والارتقاء إلى البلوغ إلى
حقيقة ربوبيته ، بأن أشهدهم في البدء الأول على وحدانية وعلى ربوبيته وعبوديتهم ،
تقديرًا من عزيز عليم .
وكان من لطفه - جلَّ جلالُه - وجميل صنعه أن أظهر لعباده من معلوم علمه وموجود
قدرته مقدار ما احتملته عقولهم ؛ ليصل لهم بحبله حبلهم ، وبفطرته التي فطرهم
عليها معرفته فأشهدهم مشاهدتهم يومئذٍ فشهدوا بها على أنفسهم وله بالحق ، ثم
أشهدهم الآن مشاهدتهم ؛ بأن أظهر لهم من أسمائه اسمه الله ، وعرفهم به من أجله ،
وضمنه العالم كله بأسره ، وجعل ذلك مقدارًا لما شاء إيجاده ، وخلق السماوات
والأرض وما بينهما بالحق .
وهو مقتضى أسمائه وما هو المصير إليه في تلك الدار ، فوقفوا بذلك على
تحقيق ما قررهم عليه ، وحقيقة ما شهدوا به يومئذٍ ، سبحانه أنار الآيات ، واستشهد
بالشواهد البينات ، وأوضح البراهين ، فعقلت العقول ، وعلمت الألباب الحق""
لاتصالها بالحق الموصل للحق المبين ، فلهذا أبصار بصائر الموقنين تنظر إليه الآن
من وراء حُجب شفافة ، لولا رداء الكبرياء يمنعها من التثبيت ، وإجلال العظمة يقصر
بها عن التبيين ، وهذه آية على إتمام النعمة منه عليهم بالرؤية العلية ، والقرب المكين
في الدار الآخرة .