ثم ليعبروا بما علموه في هذه الدار إلى الدار الآخرة فيتذكروا بذلك العلم بالله
والمعرفة ، ويوقنوا بالآخرة ، وبما فيما هنالك من وجود مرغوب ومرهوب بوعد ما
في هذا القرآن ووعيد ، كذلك لا يتم تدبر آي القرآن للمتدبرين حتى يتعرضوا
بنظهم الصائب وبصائرهم الناقدة إلى كل من خلقه الله جلَّ ذكره .
قال الله:(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ).
كما فصِّل مجمل اللوح المحفوظ ، بإظهار ما أظهره من الموجودات لوحًا بعد
لوح ، وعالمًا عالمًا على اختلاف ذلك كله واتفاقه ؛ إذ كان المكتوب هو علمه نصًّا
بقوله: ( لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) .
وقال للقلم:"اكتي"قال: يا رب ، وما أكتب ؟ قال:"اكتب علمي في خلقي"
فكتب ، ومكتوب آخر المقدار مكتوب آخر ، إذ قال للقلم:"اكتب"قال: يا رب ، وما
أكتب ؟ قال:"اكتب ما هو كائن"فكتب .
فعلمه مضمن جميع ما أوجده وما لم يوجده بعد مجملًا فصَّله تفصيلًا ، كذلك
أيضًا فصَّل مجمل كتابه الذي هو القرآن العزيز ، الذي هو علمه من مكتوب اللوح
المحفوظ بقول الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ(21) فِي لَوْحٍ
مَحْفُوظٍ (22) . ففصل علمه فيه عن مجمل معلومه في جميع ما أظهره
من كلام ، أو أنزله من كتاب ، أو أرسله من رسول ، أو ضربه من مثل ، أو قصه من
قصص ، أو أمر أو نهي أو وعد أو وعيد ، وعلى جميع معاني القرآن الحكيم
وضروب خطابه .
قال عز من قائل: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) المعنى إلى آخره ، فعلم
القرآن لا يتم إلا في الدار الآخرة ، وعلوم أهل تلك الدار فيه متفاوتة على مقدار