لأجل ذلك مالوا في تأليف الأدوية إلى السهولة وطيب الرائحة ، وتقربوا في
ذلك إلى حال الاعتدال ، ويقلون من الأدوية ، وينحون بها إلى الأغذية حسب
الاستطاعة ، إذ الدواء من قبيل ما كان إضلاله ، ولذلك تكرهته النفوس ونافرته بأول
وهلة ، وإخراج الدم كل ذلك معالجة لما اكتنزته الأبدان من عقابيل ذينك النفَسين ،
ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الدواء الخبيث .
(فصل)
هذا المشار إليه بأنه عالم الطبيعة ، وهو دار الدنيا أقطعها رب العالمين - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه عدوه إبليس الملعون المبعد - لعنه الله - أنظره فيه إلى يوم
الدين ، فكان الذي من شأنه أن ينسب إلى جهنم في هذه الدار نسب إلى إبليس
-لعنه الله - نسبة ما ، أما أعمال الحرام والمكروه لله جل ذكره كلها فتزيينه ورضاه بها ،
وحمل ذلك بالغرور ونحو ذلك ، وما كان من موجوداتها الكريهة من أحجار ونبات
وحيوان ، وظلام وظلم ، وخلق قبيح وأنواع المؤذيات ، ومصائب تصيب من علل
وأسقام من بعد محبوب وفوت مطلوب ، فمنسوب إليه أيضًا بوجه ما ، لأنها أقرب إلى
ما هو عنه منبعثها كذلك جعلها الطبيب الحق الأعلى ، والحكم الحق العليم أدوية
من أدواء الأسقام ، ثم كره الأدوية للنفوس على الأغلب: لأن إبليس - لعنه الله -
مخلوق من نار السموم وإليها معاده وفيها سعيه ، ولها كدحه واجتهاده وجده ،
ولذلك جنبها لبني آدم وزينها ، ليكون مآل من أطاعه على ذلك أن يدخل مدخله .
(فصل)
ليست أدوار الأبدان والصصائب كلها بنافعة إلا للمؤمن ، ولا إله إلا الله في
مخلوقاته وآياته إلا للمؤمن ، والكافر مبعد ملعون عن هذا كله ، إلا ما كان فيما
سبيله إلى الكون .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ
نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ).
(لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ