وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) . وقد تقدم - يعني: وهو أعلم - أنه يجمع عليه
عذاب من قتل كل نفس قتلت بعد ظلمًا إلى يوم القيامة .
ثم بعد هذا التأويل يكون قاتل المؤمن لعرض من أعراض الدنيا ، يجمع عليه
عذاب من قتل الناس جميعًا في منزلته ما دون الخلود ، أو يكون حرمه الإسلام على
غير هذا في هذا القاتل ، الله أعلم آمنا بما هو الحق عند الله - عز وجل - .
(فصل)
قال الله - جلَّ جلالُه -:(مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلًا"
منها"يخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المقتولين ظلمًا ."
وجاء القرآن العزيز بلفظ العموم ، ثم أتبعه بلفظ التوكيد في قوله جل قوله:
(فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) فيمكن أن يكون المراد بقوله جلَّ قوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) جميع المقتولين ظلمًا ، ويمكن أن يكون يعدي العقاب إلى عقاب
من لو قتل الجنس كله .
ومعنى ذلك أن آدم - عليه السلام - كان [واحدًا] من الجنس ، وكان عنه الناس بأجمعهم ،
فكان هذا القاتل إذا اجترأ على قتل نفس واحدة ظلمًا بعد الإعلام والإنذار أخذ
بقتل أكبر الأنفس وأعمها ، كما قال - عز وجل - في إثابته المؤمنين: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ
بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) . فكما يرفع هؤلاء إلى ثواب أحسن أعمالهم ،
كذلك يجعل - جلَّ جلالُه - هؤلاء على أكثر درجاته .
وإن كان قد قال في عاملي السيئات:(فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ [عَمِلُوا] السَّيِّئَاتِ إِلَّا
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) و ( [فَلَا يُجْزَى] إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) فإن
المعلوم في الشرع أن أحكام الدماء مغلظة جدًا ، وقد أخذ فيها بالخطأ والنسيان ،
ومما لم يتعمد فعله .