وقد جمعهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السماء ليلة أُسري به ، فأمَّهم حاشا الرهط الثلاثة
إبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه على جميعهم .
كذلك قال - جلَّ قوله - لعيسى ابن مريم:(يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ
لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ)تقرير وتوبيخ منه لمن في
الأرض يومئذٍ من الذين غلوا في أمره ، وقالوا فيه بأهوائهم ما لم ينزل الله به من
سلطان ، وما ليس لهم به علم ، فسبح الله جل ذكره عبده ورسوله عيسى ابن مريم
-عليه السلام - عندما قذفوه من افترائهم بقوله:(سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي
بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ)فاستشهد - عليه السَّلام - بالعليم الخبير - عز وجل -(إِنْ
كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ). انتهى .
(فصل)
يتخرج تسبيحه ربه جل وعز - عليه السلام - على وجهين:
أحدهما: لما ذكروه به وأنه دعا إلى نفسه ، وهذه عظيمة قذفوه بها ، فسبح الله
جلَّ ذكره لكونه رسولًا نبيًّا روح الله وكلمته ، كما سبح الله نفسه - عز وجل - عند ذكر أم
المؤمنين بإفك وبهتان ، فقال جلَّ قوله: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ
نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) . ويمكن أن يكون تسبيحه ربه - عز وجل -
صلوات الله وسلامه عليه تنزيهًا له ، وإجلالًا لجلاله ، وإعظامًا لقدره ، ورهبةً من عليِّ
شأنه أن يكون له أو معه في الإمكان ، أو في الوجود إله سواه سبحانه وله الحمد ، لا
إله إلا هو العلي الكبير .
قوله - جلَّ جلالُه - فما حكاه عنه:(تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ
عَلَّامُ الْغُيُوبِ)أي: تعلم سري وجهري ، وظاهري وباطني ؛ وما
يسمى منه نفس (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14) . ولا أعلم ما في نفسك
كقوله جل قوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) .
وكقوله جلَّ قوله: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) .