والذين كذبوا بآيات الله وكفروا به في أبعد البعد من هذه الأنوار ، لذلك قال
-جلَّ جلالُه -:(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ
أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
وإنما ذلك من حقيقة وصفهم بما وصفهم به ، لعدم النور الذي يقوم لأهليه
مقام وصفه جل وصفه:(مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ)وسيأتي شرح ذلك إن
شاء الله تعالى ، أحاطت بأولئك الظلمات لكفرهم ، وأحدقت بذواتهم دياجي
جهلهم ، وعموا لذلك وصموا فلم يجيبوا الداعي ولا سمعوا المنادي .
(فصل)
ذكر اللَّه - جلَّ جلالُه - آياته في السماوات والأرض شواهد على توحيده ، ودلالات
مبينات لصدق رسله - صلوات الله وسلامه على جميعهم - وإعلامًا بالحق
الموجود في الدار الآخرة الذي تضمنه وعده الحق وعيده كما جعلها آيات على
وجود أسمائه الحسنى ، وصفات ذاته الكاملة الحق العلي من عظيم قدرته ، وإحاطة
علمه بهدايته وإضلاله من سبق علمه العلي - جلَّ جلالُه - بضلاله هذا بفضله وهذا بعدله .
ثم قال جل وعلا: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ
يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) . إذ كل ما في
السماوات والأرض مفطور على الإسلام ، مجبول على الدين القيم ، من استرشدها