هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) .
ولما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا إلى الناس كافة كان خطاب القرآن متوجهًا إلى
جميعهم على افتراق مذاهبهم وتشتت آرائهم ونحلهم ، فتارة يخص وأخرى يعم .
ألا تسمع إلى قوله الصدق:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ
وَالنَّصَارَى . . .).
وقوله: ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ . . . ) فعرض في هذه
السورة بضلال الثنوية في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) .
وقد تقدم ذكر هذا إلى قوله: (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(5)
عبَّر بهذا الخطاب الجميع من المكذبين ، ثم إلى قوله:(وَقَالُوا لَوْلَا
أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ).
ولما أنكروا الخصوصية أنكروا النبوة جملة حتى آل ذلك بجهلهم في إنكار
الخصوصية ألا ينتفعوا من جميع الحيوان بلحم ولا جلد ولا شعر ولا وبر ، ولا
تسخير بصنف من الأصناف . ولا يقتلوا منها مؤذيًا .
ومنهم: من رخص في ذلك حال الضرورة ، وعلى مقدار اختلافهم في ذلك ،
ومن أولئك سرى إنكار الخصوصية ، وتكذيب النبوة إلى مشركي العرب حتى قال
بعضهم: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) .
(مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) .
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)
ومثل هذا كثير .
ومنهم: من أقر بنبوة إبراهيم - عليه السلام - وآدم .
ومنهم: من أنكرها الإنكار كله ، وقالوا: إن الله موصوف بالقدرة على أن ينزل
إلى العباد ملائكة يرشدوهم إلى مراده منهم .
ومنهم أيضًا: من لا يقر بالملائكة عليهم السَّلام ، وقال هؤلاء: إن الله قادر على
أن يجعل في قلوب عباده المرسل إليهم مراده منهم ، وجعل في نفوسهم قبول قول
من زعم أنه مرسل إليهم .