قالوا: وقد أقام العقول على التمييز والمعرفة بوجوب شكر المنعم وأداء حق
الفاضل ، ونحو هذا من أنواع أباطيلهم .
قال الله عزَّ من قائل: (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي: لأهلكنا
من أبدينا إليه صفحة الملك ، ولم ننظره ساعة (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ) أي: النبي (مَلَكًا
لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) .
ثم كذلك إلى قوله: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هذا
خطاب راجع معناه إلى قوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ) أي: إن له
النور وما فيه ، والظلمات وما فيها ، خالقهما واحد .
إلى قوله: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) . ردًّا على الثنوية المانوية في قولهم: إن فاعل
الخير غير فاعل الشر .
كذلك إلى قوله جلَّ قوله: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) .
إلى قوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)
تنبيهًا على إثبات الخصوصية ، وردًّا على منكري النبوة .
يقول جل من قائل:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ
أَمْثَالُكُمْ)يؤم مفضولها فاضلها ، وعامها خاصها حتى ينتهي ذلك إلى أفضلها ، وفيه
أيضًا إثبات الوحدانية ، وفيه أيضًا إثبات البعث بعد الإماتة بقوله:(ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ
يُحْشَرُونَ)يستخلفهم فيها قرنًا بعد قرن وأمة بعد أمة ، ثم يميتهم ثم
يحييهم ، ثم يحشرهم إليه في هذا ، أعني قوله:(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ
يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)إعلام بأن كل شيء يعيده يوم القيامة ، ويحضره بعثًا
وحشرًا ، ثم يجعل الخبيث كما قال في سورة الأنفال: (فِي جَهَنَّمَ) .
ومفهوم هذا أنه يجعل الطيب كله في الجنة ، وفي هذا رد منه على الثنوية
والمجوس ، والمتفلسفة من أهل التوحيد منهم ، ومن غيرهم من كفار الأمم في
قولهم: إن الله جلَّ ذكره لا يعيد الأجسام ، وأنه إنما يجازي الأرواح والنفوس بعد
موتها .
قالوا: فمن كان صالحًا وحافظ على العهد من شكر المنعمين ، وأداء حقوق