فهرس الكتاب

الصفحة 893 من 2809

السماوات والأرض ، وراثة ورثوها عن آبائهم إبراهيم وإسماعيل ، والمهتدين قبلهم

إلى معلوم الفطرة ومعهود ما جبلت عليه منهم الخلقة .

قال الله عزَّ من قائل: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) .

وقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) لكنهم أفكوا عن

هذه الحقيقة بضلالتهم ، وحجبوا عن معهودها ، وظلوا على ذلك في ضلالتهم

يترددون ، وفي طغيانهم يعمهون ، فإذا ألزمهم ضيق الاضطرار ، ورجعوا إلى الحق

وضلَّ عنهم ما كانوا يدعون من دون الله ، فنبذوا هذه المعرفة الأولى دون ظهورهم ،

ولم يظهروها بإيمان مكين في قلوبهم وشهادة على أنفسهم ، وعمل بها خارج عن

بواطنهم بادٍ على ظواهرهم .

وبهذا وعلى معهود هذا كان يحتوشهم نور الإيمان ، وتثبت في قلوبهم

وأعمالهم حقائق الإسلام ، لو أنهم آمنوا بالله ورسوله لهداهم الله بإيمانهم ، لكنهم

كانوا يقولونها مع كفرهم على حقيقة محجوبة ومعرفة غائبة بقلوب لا علم فيها ،

وبصائر غير بصيرة ، وشهادات غير مشاهدة لها قد غمرتهم غفلتهم ، وبعدوا بذلك

عن حقيقتهم ، فهم على ذلك ، متى تكلموا بالحق نطقوا به لا يعلمونه ، ولا يبصرونه

كالذي يصدر عن النومان وصاحب الهذيان ، ومصاحب الجهل غير محمود في

إصابته لا سيما إذا كان حاله التكذيب ، وعمله على سنن الكفر .

قال الله عزَّ من قائل لما أن(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا

يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)ومرادهم بالدهر: اختلاف الليل والنهار وتعاقب الأزمان ، أجابهم

جلَّ ذكره بالحق الذي هو أهله بقوله: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(24)

والمراد الحق هنا بالدهر: هو الله جل ذكره ، وهو اسم من أسمائه .

كذلك قالوا: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) يعنون بمعبوداتهم هنا: الملائكة

عليهم السلام ، فأجابهم جلَّ ذكره: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(20) .

فعبَّر - جلَّ جلالُه - عن حالهم هذه لما قالوا الحق أن مشيئة الله جل ذكره غالبة فيهم

بأنهم يخرصون ، ولم يحمد إصابتهم في مقالهم ذلك ؛ لعدم وقوفهم على العلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت