السماوات والأرض ، وراثة ورثوها عن آبائهم إبراهيم وإسماعيل ، والمهتدين قبلهم
إلى معلوم الفطرة ومعهود ما جبلت عليه منهم الخلقة .
قال الله عزَّ من قائل: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) .
وقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) لكنهم أفكوا عن
هذه الحقيقة بضلالتهم ، وحجبوا عن معهودها ، وظلوا على ذلك في ضلالتهم
يترددون ، وفي طغيانهم يعمهون ، فإذا ألزمهم ضيق الاضطرار ، ورجعوا إلى الحق
وضلَّ عنهم ما كانوا يدعون من دون الله ، فنبذوا هذه المعرفة الأولى دون ظهورهم ،
ولم يظهروها بإيمان مكين في قلوبهم وشهادة على أنفسهم ، وعمل بها خارج عن
بواطنهم بادٍ على ظواهرهم .
وبهذا وعلى معهود هذا كان يحتوشهم نور الإيمان ، وتثبت في قلوبهم
وأعمالهم حقائق الإسلام ، لو أنهم آمنوا بالله ورسوله لهداهم الله بإيمانهم ، لكنهم
كانوا يقولونها مع كفرهم على حقيقة محجوبة ومعرفة غائبة بقلوب لا علم فيها ،
وبصائر غير بصيرة ، وشهادات غير مشاهدة لها قد غمرتهم غفلتهم ، وبعدوا بذلك
عن حقيقتهم ، فهم على ذلك ، متى تكلموا بالحق نطقوا به لا يعلمونه ، ولا يبصرونه
كالذي يصدر عن النومان وصاحب الهذيان ، ومصاحب الجهل غير محمود في
إصابته لا سيما إذا كان حاله التكذيب ، وعمله على سنن الكفر .
قال الله عزَّ من قائل لما أن(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)ومرادهم بالدهر: اختلاف الليل والنهار وتعاقب الأزمان ، أجابهم
جلَّ ذكره بالحق الذي هو أهله بقوله: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(24)
والمراد الحق هنا بالدهر: هو الله جل ذكره ، وهو اسم من أسمائه .
كذلك قالوا: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) يعنون بمعبوداتهم هنا: الملائكة
عليهم السلام ، فأجابهم جلَّ ذكره: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(20) .
فعبَّر - جلَّ جلالُه - عن حالهم هذه لما قالوا الحق أن مشيئة الله جل ذكره غالبة فيهم
بأنهم يخرصون ، ولم يحمد إصابتهم في مقالهم ذلك ؛ لعدم وقوفهم على العلم