فهرس الكتاب

الصفحة 894 من 2809

وصدور المقال عن غير يقين ، فأبطل قولهم بالحق وأحبطه لعدم العلم واليقين ، كما

تحبط أعمالهم بالشرك والكفر والعمل على غير سنة ، فافهم .

ولما كانوا مع ذلك غير عالمين ولا متبعين لمن علم ، ولا تالين آثار من قبلهم

وكذبوا بأفعالهم قولهم ، كان جوابهم قوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى

الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) . في الخطاب حذف ، تقدير محذوفه: كذلك

كذب الذين من قبلهم مع إقامتهم على التكذيب والكفر والعمل دون توبة ، ولا

إيمان بالله وبالرسل حتى ذاقوا بأسنا وحلت بهم نقماتنا ، فهل على الرسل إلا البلاغ

المبين ؛ ولأن ما أجابوا به رسلهم من قولهم هذا إنما صدر عن معرفة مغرورة غطت

عليها ظلمات الكفر والجحد ، لم يوصلوها إلى إيمان صحيح ، ولا وصلوها بتصديق

رسول وقرآن .

قال الله - جلَّ جلالُه - لنبيه: (قل) لهم يا محمد: (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ) كتاب أو سنة

(فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) والظن لا

يغني من الحق شيئا ، إنما يغني العلم واليقين ، أو اتباع من يعلم ويوقن ، وعلى هذا

المفهوم يقول الله جلَّ ذكره: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ

إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) . أي: ليسوا عندهم على الحقيقة

بشركاء لله تعالى ؛ إذ لم يخلقوا سماء ولا أرضا ، ولا ينزلوا الماء من السماء ، ولا

يخلقون ولا يرزقون ، إنما ذلك منهم لما عبَّر عنه قول الله - جلَّ جلالُه - حكاية عنهم:( مَا

نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).

(تنبيه) :

انطلق المقال في هذا الفن ؛ إذ هو كثير ما من أجله قست قلوب أهل الإيمان

الموجود عن الغفلة وأغياب المراقبة والذكر ، ثُمَّ ينشأ وينمو بالاشتغال ، وإهمال

القلوب في أودية التخليط ، ثم ينمو ذلك لمحبة الدنيا والأماني لها وبها ، ومع ذلك

يغلظ حجاب الغفلة ، ويكشف الستر الحائل بين القلوب ومنبعث نور الإيمان إليها ،

ثم بالمداومة على ذلك يخلف الذكر النسيان ، والعلم الجهل ، والمراقبة الإهمال

والجد الفتور ، فلا يزال كذلك نور الإيمان يتقلص ، والظلمة على القلوب تتزيد

والخشية تنقص ، والقسوة تفيض حتى يعلو الران القلوب فتنكس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت