وصدور المقال عن غير يقين ، فأبطل قولهم بالحق وأحبطه لعدم العلم واليقين ، كما
تحبط أعمالهم بالشرك والكفر والعمل على غير سنة ، فافهم .
ولما كانوا مع ذلك غير عالمين ولا متبعين لمن علم ، ولا تالين آثار من قبلهم
وكذبوا بأفعالهم قولهم ، كان جوابهم قوله: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى
الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) . في الخطاب حذف ، تقدير محذوفه: كذلك
كذب الذين من قبلهم مع إقامتهم على التكذيب والكفر والعمل دون توبة ، ولا
إيمان بالله وبالرسل حتى ذاقوا بأسنا وحلت بهم نقماتنا ، فهل على الرسل إلا البلاغ
المبين ؛ ولأن ما أجابوا به رسلهم من قولهم هذا إنما صدر عن معرفة مغرورة غطت
عليها ظلمات الكفر والجحد ، لم يوصلوها إلى إيمان صحيح ، ولا وصلوها بتصديق
رسول وقرآن .
قال الله - جلَّ جلالُه - لنبيه: (قل) لهم يا محمد: (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ) كتاب أو سنة
(فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) والظن لا
يغني من الحق شيئا ، إنما يغني العلم واليقين ، أو اتباع من يعلم ويوقن ، وعلى هذا
المفهوم يقول الله جلَّ ذكره: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ
إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) . أي: ليسوا عندهم على الحقيقة
بشركاء لله تعالى ؛ إذ لم يخلقوا سماء ولا أرضا ، ولا ينزلوا الماء من السماء ، ولا
يخلقون ولا يرزقون ، إنما ذلك منهم لما عبَّر عنه قول الله - جلَّ جلالُه - حكاية عنهم:( مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
(تنبيه) :
انطلق المقال في هذا الفن ؛ إذ هو كثير ما من أجله قست قلوب أهل الإيمان
الموجود عن الغفلة وأغياب المراقبة والذكر ، ثُمَّ ينشأ وينمو بالاشتغال ، وإهمال
القلوب في أودية التخليط ، ثم ينمو ذلك لمحبة الدنيا والأماني لها وبها ، ومع ذلك
يغلظ حجاب الغفلة ، ويكشف الستر الحائل بين القلوب ومنبعث نور الإيمان إليها ،
ثم بالمداومة على ذلك يخلف الذكر النسيان ، والعلم الجهل ، والمراقبة الإهمال
والجد الفتور ، فلا يزال كذلك نور الإيمان يتقلص ، والظلمة على القلوب تتزيد
والخشية تنقص ، والقسوة تفيض حتى يعلو الران القلوب فتنكس .