ثم يخلف ذلك الفسق والفجور ، تتصاعد ظلمات ذلك إلى بقايا الإيمان
فتذهب حقائقه ، وإلى الإسلام فتمحق رسومه ، فيكون الكلام تزينًا والأعمال عوائد
ثم رياء ، والشهادة بالإيمان والإخلاص لمظة على اللسان ، وما لم يتعاهد الإسلام
والإيمان بالتجديد والتحقيق ، ويعمرا بتوجيه النيات وإعمال الجوارح في الطاعات ،
وتعاهد القلوب بالتخويف واستشعار الخشية ولزوم الخشوع ، وإلا كان ما عبَّر عنه
قوله الحق: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا
يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
فَاسِقُونَ (16) .
ذكر الصحابة - رضي الله عنهم - إنه ما كان بين نزول هذه الآية ، وبين الإيمان مع إسلامهم
أربع سنين ، واستبطأهم الله - جلَّ جلالُه - عن الصعود في درجات الإيمان ، مع أنه كان في
قلوبهم غضًّا طريًّا ، فكيف بمن ولد ونشأ في الفتنة ، ومرت عليه وعلى آبائه وأسلافه
وبني جنسه الكثير من السنين إلا هكذا مات الإيمان والعلم ، وذهب التقى والخشية ،
وآض الأمر إلى ما نشاهده وأكثر من ذلك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
قوله - جلَّ جلالُه - جوابًا لقولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ)
مخاطبًا رسوله - صلى الله عليه وسلم - (قل) لهم يا محمد: (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا)
مبينًا لقولكم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ)
فإنهم قالوا حقًّا لو صدر ذلك منهم عن إيمان وتوبة وحسن مراجعة إلى الحق ، فما
هذا العلم المطلوب منهم الإتيان به ؟
الجواب انعقد الإجماع الأعظم أنه لا شيء إلا ما شاء الله ، وإنه لا حول ولا
قوة إلا بالله .
ثم أجمع المهتدون أن الله تعالى خلق للعباد استطاعة بالله ، وحولًا وقوة بالله لا
يخرجون بأنفسهم عن عطائه ومنعه وحسن تقديره ، وهو في كل شيء الأول والآخر
الظاهر والباطن ، فكلمتهم هذه عن علاتها خرجت عن سنن التوحيد المعروف ،